اللّيل أحمل ظهر أنت راكبه ، * إنّ الصّباح لطرف والدّجى جمل « 1 »
ولّى الشّباب وهذا الشّيب يطرده ، * يفدي الطّريدة ذاك الطّارد العجل
ما نازل الشّيب في رأسي بمرتحل * عنّي ، وأعلم أنّي عنه مرتحل
من لم يعظه بياض الشّعر أدركه * في غرّة حتفه المقدور والأجل
من أخطأته سهام الموت قيّده * طول السّنين ، فلا لهو ولا جذل
وضاق من نفسه ما كان متّسعا ، * حتّى الرّجاء ، وحتّى العزم والأمل
ما عفّتي في الهوى يوما بمانعتي * أن لا تعفّ بكفّيّ القنا الذّبل
وللرّجال أحاديث ، فأحسنها * ما نمّق الجود لا ما نمّق البخل
ولا اقتحامي على الغارات يعصمني * من المنون ، ولا ريث ، ولا عجل
وميتتي في النّوى والقرب واحدة ، * إذا تكافأت الغايات والسّبل
يستشعر الطّرف زهوا يوم أركبه ، * كأنّه بنجوم اللّيل منتعل
والخيل عالمة ما فوق أظهرها * من الرّجال جبان كان أو بطل « 2 »
أغرّ أدهم صبغ اللّيل صبغته ، * تضلّ في خلقه الألحاظ والمقل
مناقل في عنان الرّيح جريته ، * كأنّه قبس أو بارق عمل « 3 »
قصير ما بين أولاه وآخره ، * كأنّما العنق معقود بها الكفل
إذا الرّبيع كسا البيداء بردته ، * ضافت ركابي وهاد الأرض والقلل
والواردات مياه القاع سانحة * على جوانبها الحوذان والنّفل « 4 »
وكالثّغور أقاحيها ، إذا غربت * شمس النّهار ، وألقت صبغها الأصل
ورد ومرعى ، إذا شاءت مشافرها ، * مستجمعان ، ولا كدّ ولا عمل
وغافلين عن العلياء قائدهم * في كلّ غيّ فتيّ العقل مكتهل
شنّوا الخضاب حذارا أن يطالبهم * بحلمه الشّيب ، أو يقصيهم الغزل
هامش
( 1 ) الطرف : الجواد الكريم والخفيف .
( 2 ) كان : تأتي هنا فعلا تاما بمعنى حدث ، وقع .
( 3 ) قبس : ضوء ، شعلة - عمل : دائم .
( 4 ) الحوذان والنفل : من النبات .