وقد رمت الأيّام من حيث لا أرى * صميمي بالدّاء العنيف على عمد
فلا تعجبا أنّي نحلت من الجوى ، * فأيسر ما لاقيت ما حزّ في الجلد
ولو أنّ رزءا غاض ماء لكانه ، * وجفّت له خضر الغصون من الرّند « 1 »
سقى قبره مستمطر ذو غفارة ، * يجرّ عليه عرف ملآن مربدّ « 2 »
إذا قلت : قد خفّت متاليه أرزمت * وأجلب بالبرق المشقّق والرّعد « 3 »
حسام جلا عنه الزّمان ، فصمّمت * مضاربه حينا ، وعاد إلى الغمد
سنان تحدّته الدّروع بزغفها ، * فبدّد أعيان المضاعف والسّرد « 4 »
جواد جرى حتّى استبدّ بغاية * تقطّع أنفاس الجياد من الجهد
سحاب علا حتّى تصوّب مزنه ، * وأقلع لمّا عمّ بالعيشة الرّغد
ربيع تجلّى ، وانجلى ، ووراءه * ثناء ، كما يثنى على زمن الورد
نعضّ على الموت الأنامل حسرة ، * وإن كان لا يغني غناء ولا يجدي
وهل ينفع المكلوم عضّ بنانه * ولو مات من غيظ على الأسد الورد
عوار من الدّنيا يهوّن فقدها * تيقّننا أنّ العواريّ للرّدّ
ينال الرّدى من يعرض الهضب دونه * ولو كان في غور من الأرض أو نجد
ويسلم من تسقى الأسنّة حوله * بأيدي الكماة المعلمين على الجرد « 5 »
فما ذاك إن لم يلق حتفا بخالد ، * ولا ذا من الحتف المطلّ على بعد
لئن ثلمت منّي اللّيالي عشائري * فما ثلموا إلّا من الحسب العدّ « 6 »
هامش
( 1 ) الرند : نبات طيب الرائحة يشبه الآس .
( 2 ) غفارة : سحابة - العرف : الشعر النابت في رقبة الفرس ، استعارة للسحاب - مربد : قاتم .
( 3 ) متاليه : أمطاره - أرزم الرعد : اشتدّ صوته .
( 4 ) بزغفها : بلينها - السرد : الدرع .
( 5 ) الكماة المعلمون : الابطال عليهم علامات القتال - الجرد : الجياد القصيرة الشعر .
( 6 ) الحسب العد : النسب القديم .