واعلم أنّ العيني قد خبط هنا وخلّط ، فإنّ ابن هشام أنشد البيت في « شرح الألفية » بالرفع ، وهو شرحه بتوجيه من رواه بالنصب ، قال :
قوله : فإني الضمير اسم إنّ وخبرها محذوف . ويقال لغريب خبر إني ، وقيار مبتدأ وخبره محذوف . ويقال : لغريب خبر عن الاسمين جميعا ، لأنّ فعيلا يخبر به عن الواحد فما فوقه ، نحو « 1 » :
« وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ »
.
وردّه شيخ شيخي الخلخالي بأنه لا يكون للاثنين وإن كان يجوز كونه للجمع .
وكذلك قال في فعول ، فقال : لا يقال رجلان صبور ، وإن صحّ في الجمع . وقد قيل في قوله تعالى « 2 » :
« عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ »
إنّ المراد قعيدان .
ثم كلامه يوهم أنّ ذلك يقال بالقياس ، وليس كذلك ، وإنما المانع في البيت من أن يكون غريب خبرا عن الاسمين هو لزوم توارد عاملين على الخبر ، وإنما يصحّ هذا على رأي الكوفيين . هذا كلامه .
وقوله : « خبر إنّ محذوف » ، هذا أحد وجهي ما جوّزه السيرافي في رواية النصب كما تقدم . وأما على رواية الرفع ، فيتعيّن جعل قوله : لغريب خبر إنّي ، ولا يجوز أن يكون خبرا لقيّار ، لأن خبر المبتدأ لا يجوز أن يقترن باللام ، إلّا إذا تقدّم على المبتدأ ، نحو : لقائم زيد .
وقوله : « ويقال لغريب خبر عن الاسمين جميعا » ، هذا إنما يتصوّر على رواية نصب قيّار لا على رواية رفعه . وفي بقية كلامه ما لا يخفى على المتأمّل .
وهذا البيت أورده صاحب « تلخيص المفتاح » في أول باب المسند ، على أنه قد يحذف المسند لقصد الاختصار والاحتراز عن العبث في الظاهر ، مع ضيق المقام بسبب التحسّر ومحافظة الوزن « 3 » .
وهذه النّكتة تجري فيه على رواية نصب قيّار ورفعه ، فلا ينبغي قصرها على رواية الرفع ، كما صنع السعد في « المطوّل » ، وتبعه العباسيّ في « معاهد التنصيص » ، وكأنه لم تبلغهما رواية النصب .
هامش
( 1 ) سورة التحريم : 66 / 4 .
( 2 ) سورة ق : 50 / 17 .
( 3 ) في طبعة بولاق : " محافظة الورق " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية .