وقال ابن الحاجب في « أماليه » : إنه يجوز أن يكون مه في « مهما لي الليلة » ، اسم فعل بمعنى اسكت ، واكفف عما أنت فيه من اللوم ، كأنه يخاطب لائما على ما يراه من الوله . ثم قال : ما لي الليلة ، تعظيما للحال التي أصابته ، والشدّة التي أدركته .
ثم ذكر الأمر الذي يحقّق تعظيم الأمر ، فقال : ( السريع )
* أودى بنعليّ وسرباليه *
يعني ذهب بنعليّ وسرباليه ، كقوله تعالى « 1 » :
« هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ »
. وإذا ذهب عنه نعله وسرباله دلّ على أنّ حاله بلغت مبلغا أذهلته عما لا يذهل متيقّظ عن مثله .
وصورة الاستفهام للتعظيم ثم مجيء ما يحقّق ذلك التعظيم بجملة أخرى بعد ذلك ، من فصيح كلام العرب وبديعه . قال تعالى « 2 » :
« الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ »
ثم قال « 3 » :
« كَذَّبَتْ ثَمُودُ »
.
ويجوز أن يكون مهما أصله ماما ، كرّرت ما الاستفهامية للتأكيد اللفظي ، فقلبت الألف الأولى هاء كما قلبت ألف الشرطية في قولهم : مهما . وهي عند الأكثرين : ماما .
وليس ذلك بقياس ، وإنما هو حمل لفظ العربيّ على ما يحتمله ، ممّا هو من جنس كلامهم ، وليس من القياس المختلف فيه في شيء .
ويجوز أن تكون ما الأولى قدّر الوقف عليها ، فقلبت ألفها هاء ، ثم أجري الوصل مجرى الوقف . والوجه الأول أوجه وأوضح . انتهى .
واختار ابن هشام التوجيه الأول في « المغني » في ردّ ما قاله الشارح المحقق .
قال : ذكر جماعة منهم ابن مالك أنّ مهما تأتي للاستفهام ، واستدلّوا بهذا البيت ، ولا دليل فيه ؛ لاحتمال أنّ التقدير : مه اسم فعل بمعنى : اكفف ، ثم استأنف استفهاما بما وحدها . هذا كلامه .
هامش
( 1 ) سورة الحاقة : 69 / 29 .
( 2 ) سورة الحاقة : 69 / 1 - 2 .
( 3 ) سورة الحاقة : 69 / 4 .