وروى ابن السيّد في « شرح أبيات الجمل » هذا الخبر على غير هذا الوجه ، فقال : إنّ الفرزدق كان مقيما بالمدينة ، وكان أزنى الناس ، فقال شعرا ، يقول فيه « 1 » : ( الطويل )
هما دلّتاني من ثمانين قامة * كما انقضّ باز أقتم الريش كاسره « 2 »
فلمّا استوت رجلاي في الأرض قالتا * أحيّ يرجّى أم قتيل نحاذره
فقلت : ارفع الأسباب لا يشعروا بنا * وأقبلت في أعجاز ليل أبادره
أحاذر بوّابين قد وكّلا بنا * وأسمر من ساج تصلّ مسامره
فعيّره جرير بذلك في شعر طويل ، منه « 3 » : ( الطويل )
لقد ولدت أمّ الفرزدق فاجرا * فجاءت بوزواز قصير القوائم
يوصّل حبليه إذا جنّ ليله * ليرقى إلى جاراته بالسّلالم « 4 »
تدلّيت تزني من ثمانين قامة * وقصّرت عن باع العلا والمكارم
هو الرّجس يا أهل المدينة فاحذروا * مداخل رجس بالخبائث عالم
لقد كان إخراج الفرزدق عنهم * طهورا لما بين المصلّى ووأقم « 5 »
فاجتمع أشراف المدينة إلى مروان بن الحكم وكان واليا بها ، فقالوا : ما يصلح أن يقال مثل هذا الشعر بين أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد أوجب عليه الحدّ ! فقال مروان : لست أحدّه ، ولكن أكتب إلى من يحدّه . فأمره مروان بالخروج من المدينة وأجّله ثلاثة أيام ، ففي ذلك قال « 6 » : ( الوافر )
توعّدني وأجّلني ثلاثا * كما وعدت لمهلكها ثمود
ثم كتب له كتابا إلى عامله يأمره فيه بأن يحدّه ويسجنه ، وأوهمه أنّه كتب له بجائزة .
هامش
( 1 ) الأبيات للفرزدق في ديوانه ص 259 - 261 .
( 2 ) البيت للفرزدق في لسان العرب ( قتم ) .
( 3 ) الأبيات لجرير يرد فيهم على الفرزدق في ديوانه ص 1000 - 1001 باختلاف في الترتيب .
( 4 ) في طبعة بولاق : " يوصل جنبيه " . وهو تصحيف صوابه من ديوانه والنسخة الشنقيطية مع أثر تصحيح .
( 5 ) في طبعة بولاق : " راقم " . وهو تصحيف صوابه من ديوانه ومن النسخة الشنقيطية مع أثر تصحيح .
وأقم - بالواو - : أطم من آطام المدينة .
( 6 ) البيت للفرزدق في ديوانه ص 185 ؛ والأغاني 16 / 167 .