وسبب هذا الشعر أنّ الفرزدق قدم المدينة مستجيرا بسعيد بن العاصي من زياد ابن سميّة ، فامتدح سعيدا ومروان عنده قاعد ، فقال « 1 » : ( الوافر )
ترى الغرّ الجحاجح من قريش * إذا ما الأمر بالمكروه عالا
قياما ينظرون إلى سعيد * كأنّهم يرون به هلالا
فقال له مروان : قعودا يا غلام . فقال : لا واللّه يا أبا عبد الملك ، إلّا قياما .
فأغضب مروان : وكان معاوية يعادل بين مروان ، وبين سعيد ؛ فلما ولي مروان كتب للفرزدق كتابا إلى واليه بضريّة « 2 » ؛ أن يعاقبه إذا جاء ، وقال للفرزدق : إنّي قد كتبت لك بمائة دينار ! فلما أخذ الكتاب وانصرف على أنّه جائزته ندم مروان ، فكتب إلى الفرزدق : ( الكامل )
قل للفرزدق والسّفاهة كاسمها * إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس « 3 »
ودع المدينة إنّها مرهوبة * واعمد لمكّة أو لبيت المقدس « 4 »
ففطن الفرزدق وأجابه بهذه الأبيات ، فكان الفرزدق لا يقرب مروان في خلافته ، ولا عبد الملك ، ولا الوليد .
وروي من طريق أخرى : أنّ مروان تقدّم إلى الفرزدق أن لا يهجو أحدا ، وكتب إليه البيتين ، فأجابه الفرزدق بالأبيات .
وقوله : « فاجلس » ، أي : اذهب إلى الجلس « 5 » ؛ بفتح الجيم وسكون اللام ، وهو نجد . يقال : جلس الرّجل ، إذا أتى نجدا . و « الحباء » : العطاء . وجعل الرجاء للناقة ، وهو يريد نفسه .
هامش
( 1 ) البيتان للفرزدق من قصيدة يمدح بها سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية في ديوانه ص 618 .
( 2 ) في طبعة بولاق : " بضربة " . وهو تصحيف صوابه من معجم البلدان ( ضربة ) . وفي معجم البلدان : " وهي قرية عامرة قديمة على وجه الدهر في طريق مكة من البصرة من نجد . . . " .
( 3 ) البيت لمروان بن الحكم في ديوان الفرزدق ص 482 ؛ وتاج العروس ( جلس ) ؛ والتنبيه والإيضاح 2 / 264 ؛ وجمهرة اللغة ص 475 ؛ ولسان العرب ( جلس ) . وهو بلا نسبة في تهذيب اللغة 10 / 584 ؛ وديوان الأدب 2 / 160 ؛ ومجمل اللغة 1 / 453 ؛ ومقاييس اللغة 1 / 474 .
( 4 ) البيت لمروان بن الحكم في ديوان الفرزدق ص 482 ؛ ولسان العرب ( جلس ) ؛ وللفرزدق في أساس البلاغة ( قدس ) .
( 5 ) في طبعة بولاق : " الجلسة " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية مع أثر تصحيح فيها .