فلو أنّ لبيدا قال : إلى الحول ثمّ السّلام عليكما ، كان مسلّما لحينه ، وقد أراد إنّي لا ألفظ بالتسليم والوداع إلّا بعد الحول ؛ ولذا ذكر الاسم الذي هو اللفظ ، ليكون بعد الحول ظرفا . انتهى كلام السهيلي .
والمراد من قوله : « ثمّ اسم السّلام عليكما » الكناية عن الأمر بترك ما كان أمرهما به ، وهو سلام توديع . وأتى بثمّ لأنّها للتراخي والمهلة . وقد تعسّف قوم لإخراج الاسم عن الزيادة بجعل السلام اسم اللّه تعالى ، ثم اختلفوا فقال بعضهم :
عليكما اسم فعل ، أي : الزما اسم اللّه واتركا ذكري . وفيه أنّ تقديم اسم الفعل لا يجوز إلّا عند الكسائيّ ؛ على أنّ الرواية رفع اسم لا نصبه .
وقال جماعة منهم شارح اللبّ : إنّ المعنى ثم حفظ اللّه عليكما ، كما يقال للشيء المعجب : اسم اللّه عليك ، تعويذا له من السوء . ففي ذكر الاسم تفخيم وصيانة للمسمّى عن الذكر .
وقال الشّلوبين في « حاشية المفصّل » : أجاب بعضهم بأنّ السّلام هنا اسم من أسماء اللّه تعالى ، والسّلام عبارة عن التحية ، وهذا هو الذي أراد ، ولكنّه شرّفه بأن أضافه إلى اللّه تعالى لأنّه أبلغ في التحية ، كأنه يقول : لو وجدت سلاما أشرف من هذا لحيّيتكم به ، ولكنّي لا أجده لأنه اسم السلام . هذا كلامه .
وقال بعض فضلاء العجم في « شرح أبيات المفصّل » : قوله ثم اسم السلام عليكما ، أي : حفظ اللّه عليكما ، والاسم مقحم ، وثمّ تستعمل في معنى الترك والإعراض . هذا كلامه ، ولا يخفى ما فيه من الخبط الظاهر .
وهذا البيت من أبيات للبيد بن ربيعة بن عامر الصّحابيّ ، وقد تقدّمت ترجمته في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة « 1 » .
روي أنّه لما حضرته الوفاة قال لابنتيه « 2 » :
تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر
فقوما وقولا بالذي تعلمانه * ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر
وقولا : هو المرء الذي لا صديقه * أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
هامش
( 1 ) الخزانة الجزء الثاني ص 216 .
( 2 ) ديوانه ص 213 .