على أنّ « هنّا » فيه ظرف زمان مقطوع عن الإضافة ، والأصل لات هنّا تلمح ، فحذف تلمح لدلالة ما قبله عليه ؛ فهنّا في موضع نصب على أنّه خبر لات ، واسمها محذوف ، والتقدير ولات الحين حين لمح عينك ، كما حذفت الجملة في قوله « 1 » :
* لات هنّا ذكرى جبيرة *
والفرق بينهما : أنّ الجملة حذفت هنا ولم يبق لها أثر ، وفي لات هنّا ذكرى جبيرة حذفت الجملة وبقي أثرها ، كما تقدم بيانه في البيت الذي قبل هذا .
فإن قلت : لو كان هنّا مقطوعة عن الإضافة - كما زعم الشارح المحقّق - لوجب أن يلحقها التنوين عوضا من المضاف إليه الجمليّ ، كما قال هو في باب الإضافة : إنّ الظروف التي فيها معنى النسبة كقبل وبعد إن قطعت عن الإضافة بنيت على الضم ، وإن كانت غير ذلك وجب إبدال التنوين عوضا من المضاف إليه كإذ وأوان .
وقال في شرح بيت لات أوان قبل هذا : ولا يعوّض التنوين في المبنيات من المضاف إليه إلّا إذا كان جملة .
قلت : لم يلحق التنوين لأنّ ألف هنّا للتأنيث ، فهو مقدّر فيها .
فإن قلت : أيّ ضرورة إلى ادّعاء حذف الجملة المضاف إليها هنّا ، مع أنه لم يقل به أحد ، ولا ابن الحاجب ؟
قلت : لمّا حقّق أن هنّا قد تجردت لظرف الزمان ، كان الظرف لا بدّ له من مظروف ، والنفي في الحقيقة متوجّه إليه ، ولولا اعتباره لما كان معنى لقولنا لات هنّا ، إذ لا فائدة في نفي الظرف .
وهذا المحذوف ملحوظ أيضا عند من جعل هنّا إشارة للمكان ، فإنّه لا يتم المعنى بدونه ، إذ لا بدّ للإشارة من مشار إليه ؛ فيكون المنفيّ في الحقيقة هو المشار إليه .
هذا ما أمكنني أن أفهم [ في ] كلامه في لات هنّا ، وللّه درّه ! ما أدقّ نظره ، وألطف فكره « وفوق كلّ ذي علم عليم » . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قطعة من بيت للأعشى في ديوانه ص 53 ؛ وتمامه :لات هنا ذكرى جبيرة أم من * جاء منها بطائف الأهوال