والنّصب في قوله تعالى « 1 » :
« ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ »
لأنّ تتبّع « 2 » الظّنّ لا ينسب إلى العلم . وأنشدونا بيت النابغة بالنصب :
. . . * . . . وما بالرّبع من أحد
إلّا أواريّ ما إن لا أبيّنها « 3 » * . . .
قال الفرّاء : جمع هذا البيت بين ثلاثة أحرف من حروف الجحد : لا ، وإن ، وما . والنصب في هذا النوع المختلف من كلام أهل الحجاز ، والاتباع من كلام تميم . انتهى كلام الفرّاء .
وأراد اجتماعها على سبيل التوكيد ، لا أنّ الثاني ناف للنفي فيثبت ، والثالث ناف للثاني فينفى .
وقد أورد الفرّاء في « تفسيره » الرواية التي ذكرها الشارح في أواخر سورة النساء عند قوله تعالى « 4 » :
« لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ »
قال :
من في موضع خفض ونصب « 5 » : الخفض إلّا فيمن أمر بصدقة .
والنّجوى هاهنا رجال كما قال تعالى « 6 » :
« وَإِذْ هُمْ نَجْوى »
ومن جعل النّجوى فعلا كما قال تعالى « 7 » :
« ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ »
فمن حينئذ في موضع رفع .
وأما النّصب فأن تجعل النّجوى فعلا فإذا استثنيت الشيء من خلافه كان الوجه النصب ، كما قال الشاعر :
. . . * وما بالرّبع من أحد
إلّا أواريّ لأيا ما أبيّنها * والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 157 .
( 2 ) في المعاني : " لأن اتباع الظن " .
( 3 ) في طبعتي بولاق والسلفية والشنقيطية : " لا إن ما " . وفي طبعة هارون 4 / 122 : " ما إن لا أبينها " .
وفي حاشية طبعة هارون : " صوابه من معاني الفراء ومما سبق " .
( 4 ) سورة النساء : 4 / 114 . وانظر في ذلك معاني الفراء 1 / 287 .
( 5 ) في حاشية طبعة هارون : وكذا في معاني الفراء ، مع أنه تعرض للرفع فيما بعد " .
( 6 ) سورة الإسراء : 17 / 47 .
( 7 ) سورة المجادلة : 58 / 7 .