ونقل ابن هشام في « المغني » الجواب وبحث فيه وزاد ، ثمّ تكلّم عليه السيد معين الدين الإيجيّ في رسالة أفردها وزاد على ابن هشام فيما استنبطه . وكلّ منهما لم ير ما كتبه عليه أبو علي الفارسيّ « في المسائل القصرية » وقد تنبّه لما قالاه وردّه ، فينبغي أن نورد كلام كلّ منهم على حدة ، لكن نقدّم ابتداء ذكر السائل والمجيب أوّلا فنقول :
قال أبو عليّ الفارسيّ : حدّثنا الشيخ أبو الحسن الكرخيّ عن يحيى بن الحريش الرّقّيّ قال : أرسلني الكسائيّ إلى محمّد بن الحسن ، أسأله عن الجواب في هذه الأبيات « 1 » :
إن ترفقي يا هند فالرّفق أيمن * وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم
فأنت طلاق والطّلاق عزيمة * ثلاثا ومن يجني أعقّ وأظلم
فبيني بها أن كنت غير رفيقة * فما لامرئ بعد الثّلاث مقدّم
قال : فأتيت محمّد بن الحسن بالأبيات فقال : إن نصب الثلاث فهي ثلاث تطليقات ، وإن رفع الثلاث فهي واحدة ، كأنّه أراد أن يخبر أنّ عزيمة الطلاق ثلاث .
قال : فرجعت إلى الكسائيّ فأخبرته بقول محمّد ، فتعجّب من فطنته . انتهى .
وهذا هو المسطور في كتب الحنفيّة كالمبسوط [ وشرح الكنز للزّيلعي ] « 2 » ؛ لكن ذكروا أنّ رسول الكسائيّ إلى محمّد هو ابن سماعة . ولا مخالفة ، لجواز أن يكونا ذهبا معا برسالة الكسائيّ ، وكلّ منهما حكى الجواب .
وقال ابن هشام في « المغني » : كتب الرّشيد ليلة إلى القاضي أبي يوسف [ صاحب أبي حنيفة ] « 3 » يسأله عن قول القائل - وأنشد الأبيات « 4 » - فقال : ماذا يلزمه إذا رفع الثلاث وإذا نصبها ؟ قال أبو يوسف : فقلت : هذه مسألة نحويّة فقهيّة ، ولا آمن الخطأ إن قلت فيها برأيي . فأتيت الكسائيّ وهو في فراشه فسألته ، فقال : إن رفع ثلاثا طلقت واحدة لأنه قال أنت طلاق ، ثم أخبر أنّ الطّلاق التامّ ثلاث ؛ وإن
هامش
( 1 ) الأبيات الثلاثة هي الإنشاد الثاني والسبعون في شرح أبيات المغني للبغدادي .
( 2 ) زيادة يقتضيها السياق مع تصويب اسم الكاتب من شرح أبيات المغني للبغدادي 1 / 327 .
( 3 ) زيادة يقتضيها السياق من شرح أبيات المغني .
( 4 ) إنما أنشد ابن هشام البيتين الأولين فحسب ، وأما ثالثهما فقد أنشده بعد تمام القصة ، وبعد الكلام على البيت الشاهد . وكذلك في الأشباه والنظائر لم يرد إلا البيتان الأولان .