وقعد عليها ، وقال :
واللّه لا أعطي جارية منكنّ ثوبها - ولو قعدت في الغدير يومها - حتّى تخرج متجرّدة فتأخذ ثوبها ! فأبين ذلك عليه ، حتّى تعالى النهار ، وخشين أن يقصّرن عن المنزل الذي يردنه ، فخرجن جميعا غير عنيزة فناشدته اللّه أن يطرح ثوبها ، فأبى ، فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة ، وأقبلن عليه فقلن له : إنّك عذّبتنا وحبستنا وأجعتنا . قال : فإن نحرت لكنّ « 1 » ناقتي أتأكلن معي ؟ قلن : نعم ! فجرّد سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها ، وجمع الخدم حطبا كثيرا فأجّجن نارا عظيمة ، فجعل يقطع أطايبها ويلقي على الجمر ، ويأكلن ويأكل معهنّ ، ويشرب من فضلة خمر كانت معه ويغنّيهنّ ، وينبذ إلى العبيد من الكباب ؛ فلمّا أرادوا الرّحيل قالت إحداهنّ : أنا أحمل طنفسته ، وقالت الأخرى : أنا أحمل رحله وأنساعه « 2 » .
فتقسّمن متاعه وزاده وبقيت عنيزة لم تحمل شيئا ، فقال لها : يا ابنة الكرام ، لا بدّ أن تحمليني معك فإنّي لا أطيق المشي ! فحملته على غارب بعيرها ، فكان يجنح إليها فيدخل رأسه في خدرها فيقبّلها ، فإذا امتنعت مال هودجها فتقول : عقرت بعيري فانزل ! . . وكان الفرزدق أروى الناس لأخبار امرئ القيس وأشعاره ، وذلك أن امرأ القيس رأى من أبيه جفوة فلحق بعمّه شرحبيل بن الحارث ، وكان مسترضعا في بني دارم [ فأقام « 3 » ] فيهم . وهم رهط الفرزدق . انتهى .
وقد روى أيضا خبر هذا اليوم أبو زكريّا يحيى بن عليّ الخطيب التّبريزيّ ، في شرح هذه المعلّقة على وجه مجمل .
وترجمة امرئ القيس تقدّمت في الشاهد التاسع والأربعين « 4 » .
* * * وأنشد بعده ، وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائتين « 5 » : ( الطويل )
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " لكم " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية .
( 2 ) في طبعة بولاق : " رأسه وانساعة " . وهو تصحيف صوابه من النسخة السلفية .
( 3 ) زيادة يقتضيها السياق من العقد الفريد .
( 4 ) الخزانة الجزء الأول ص 321 .
( 5 ) هو الإنشاد الثاني والسبعون في شرح أبيات المغني للبغدادي .
والبيت بلا نسبة في شرح أبيات المغني 1 / 324 ؛ وشرح شواهد المغني 1 / 168 ؛ وشرح المفصل 1 / 12 ؛ ومغني -