نصب مدبرا على الحال من الهاء . . وأنشدوا في الحال من المضاف إليه قول تأبّط شرّا « 1 » : ( الطويل )
سلبت سلاحي بائسا وشتمتني * فيا خير مسلوب ويا شرّ سالب
ولست أرى أنّ بائسا حال من الياء في سلاحي ، ولكنّه عندي حال من مفعول سلبت المحذوف ، والتقدير : سلبتني بائسا سلاحي « 2 » . ومثله قوله تعالى « 3 » :
« ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً »
وقوله تعالى « 4 » :
« أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا »
أي : خلقته ، وبعثه . وإنّما وجب العدول إلى ما قلنا ، لعزّة حال المضاف إليه . فإذا وجدت مندوحة وجب تركه . و « سلب » يتعدّى إلى مفعولين يجوز الاقتصار على أحدهما ، كقولك : سلبت زيدا ثوبا ؛ وقالوا : سلب زيد ثوبه ، بالرفع على بدل الاشتمال ، وثوبه ، بالنصب على أنّه مفعول ثان ؛ وفي التنزيل « 5 » :
« وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ »
فيجوز على هذا أن نجعل بائسا مفعولا ثانيا بتقدير حذف الموصوف ، أي : سلبت سلاحي رجلا بائسا ، كما تقول : لتعاملنّ منّي رجلا منصفا .
وممّا جاءت الحال فيه من المضاف إليه ، قوله تعالى « 6 » :
« قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً »
قيل : إنّ حنيفا حال من إبراهيم ؛ وأوجه من ذلك ، عندي ، أن تجعله حالا من الملّة وإن خالفها بالتذكير ، لأن الملّة في معنى الدين ، ألا ترى أنّها قد أبدلت من الدين في قوله تعالى « 7 » :
« دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ »
فإذا جعلت حنيفا حالا من الملّة ، فالناصب له هو الناصب للملّة ، وتقديره : بل نتّبع ملّة إبراهيم حنيفا . وإنّما أضمر نتّبع لأنّ ما حكاه الله عنهم من قولهم « 8 » :
« كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا »
معناه اتّبعوا اليهوديّة أو النّصرانيّة ؛ فقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم : قل بل نتّبع ملّة إبراهيم حنيفا . . وإنّما ضعّف مجيء الحال من المضاف إليه ، لأنّ العامل في الحال
هامش
( 1 ) البيت في ديوان تأبط شرا ص 77 ؛ وديوان الصعاليك ص 119 .
( 2 ) بعده في أمالي ابن الشجري : " وجاء بالحال من المحذوف لأنه مقدر عنده منوي " .
( 3 ) سورة المدثر : 74 / 11 .
( 4 ) سورة الفرقان : 25 / 41 .
( 5 ) سورة الحج : 22 / 73 .
( 6 ) سورة البقرة : 2 / 135 .
( 7 ) سورة الأنعام : 6 / 161 .
( 8 ) سورة البقرة : 2 / 135 .