فقالوا : كيف شبّه تضوّع المسك بنسيم الصبا ؛ والمشبّه ينبغي أن يكون مثل المشبّه به ، والمسك أطيب رائحة ! وطال القول في ذلك فلم يحقّقوه ، وكان سألني عنه ، فأجبت لوقتي أنّه شبّه حركة المسك منهما عند القيام بحركة نسيم الصبا ، لأنه يقال : تضوّع الفرخ أي : تحرّك ، ومنه تضوّع المسك تحرّك وانتشرت رائحته : وذلك أنّ المرأة توصف بالبطء عند القيام ، فحركة المسك تكون إذا ضعيفة مثل حركة النسيم ، وانتشاره كانتشاره ؛ فالتشبيه صحيح .
و « النسيم » : الريح الطيّبة ، ونسيم الريح أوّلها حين تقبل بلين . ولقائل أن يقول : إن نسيم الصبا - وهي الريح الطيبة إذا جاءت بريّا القرنفل ، وهي أيضا ريح طيّبة ، قاربت ريح المسك . وبعد أن جرى ذلك بمدّة طويلة وقع إليّ كتاب أبي بكر محمد بن القاسم الأنباريّ ، في « شرح القصائد السبعيّات » ، فوجدته ذكر عند هذا البيت قولا حسنا ، وهو قوله : ومعنى تضوّع أخذ كذا وكذا . وهو تفعّل من ضاع يضوع ، يقال : للفرخ إذا سمع صوت أمّه فتحرك : قد ضاعته أمّه تضوعه ضوعا « 1 » . فلا حاجة مع قوله أخذ كذا وكذا إلى تمحّل لذلك ؛ ويكون التقدير :
تضوّع المسك منهما تضوّع نسيم الصبا ، أي : أخذ كذا وكذا كما أخذ النسيم كذا وكذا . ا . ه .
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين « 2 » .
* * * وأنشد بعده ، وهو الشاهد السادس والثمانون بعد المائة « 3 » : ( المتقارب )
186 - كأنّ حواميه مدبرا خضبن وإن لم تكن تخضب
على أن « مدبرا » حال من المضاف إليه ، وهو الهاء في حواميه .
وهذا البيت من قصيدة في وصف فرس ، للنابغة الجعديّ . وقبله « 4 » :
هامش
( 1 ) في شرح القصائد السبع ص 29 : " ضاعه صوت أمه يضوعه ضوعا " .
( 2 ) الخزانة الجزء الأول ص 321 .
( 3 ) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه ص 20 ؛ والشعر والشعراء ص 135 ؛ وكتاب المعاني الكبير 1 / 166 .
( 4 ) الأبيات في ديوانه ص 19 - 20 .