فأجبته ؛ قال : ومن هو ؟ قال : اللّه دعاني إلى الصّوم فصمت ؛ قال : في هذا اليوم الحارّ ! قال : نعم ، صمت ليوم هو أحرّ منه ، قال : فأفطر وتصوم غدا ؛ قال : إن ضمنت لي البقاء إلى غد ؛ قال : ليس ذلك إليّ ؛ قال : كيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه ! ؟
قال : إنّه طعام طيّب ، قال : إنّك لم تطيّبه أنت ، ولا الخبّاز ، ولكن العافية طيّبته .
وقال شبيب بن شيبة « 1 » : كنّا في طريق مكّة ، فجاء أعرابيّ في يوم صائف شديد الحرّ ، ومعه جارية سوداء وصحيفة ، فقال : أنكم من يكتب ؟ قلنا : نعم ، وحضر غداؤنا ، فقلنا : لو دخلت فأصبت من الطعام ! قال : إنّي صائم ؛ قلنا : الحرّ وشدّته وجفاء البادية ! قال : إنّ الدنيا كانت [ ولم أكن فيها ، وستكون ] « 2 » ولا أكون فيها ، [ و ] ما أحبّ أن أغبن أيامي . ثم نبذ إلينا الصحيفة ، فقال : اكتب ولا تزيدنّ على ما أقول حرفا : هذا ما أعتق عبد اللّه بن / عقيل الكلابيّ ، جارية له سوداء ، يقال لها : ( لؤلؤة ) ، ابتغاء وجه اللّه تعالى وجواز العقبة ، وإنّه لا سبيل له عليها إلّا سبيل الولاء ، المنّة للّه عليها وعليه واحدة . فبلغ الرشيد ذلك ، فأمر أن يعتق عنه ألف نسمة ، ويكتب لهم هذا الكتاب .
وقال رجل لآخر : إنّي لأحبّك « 3 » في اللّه ، فقال له الآخر : لو علمت منّي ما علمته من نفسي ، لأبغضتني في اللّه ؛ فقال الأوّل : لو علمت مثل ما تعلم عن نفسك ، لكان لي في ما أعلم من نفسي شغل عن بغضك .
وكان ابن السّماك يقول : لقد أمهلكم حتّى أنّه أهملكم ، أما تستحيون من [ اللّه ] « 4 » من طول ما لا تستحيون ؟ ! « 5 » .
هامش
( 1 ) الخبر في ( عيون الأخبار 2 / 366 ) . مع اختلاف يسير ، وفي ( العقد 3 / 467 ) باختصار ) .
( 2 ) زيادة العبارات بين حاصرتين عن المصدر الأول ، هي ساقطة من المخطوط .
( 3 ) القول في ( عيون الأخبار 2 / 367 ) مع اختلاف يسير ، وباختصار في ( العقد 3 / 215 ) .
( 4 ) القول في ( عيون الأخبار 2 / 368 ) برواية : « . . . حتّى كأنّ أهملكم » وسقط ما بين حاصرتين من المخطوط .
( 5 ) بالمخطوط : « يستحيون » تصحيف .