يقال ذلك إذا أريد بالقول غاية المدح - ولقد وهب « 1 » لرجل ألف بعير فلما رآها تزدحم في الهوادى « 2 » ، قال : أشهد أنك نبىّ ، وما هذا مما تجود به الأنفس ، وفخرت هاشم على سائر قريش فقالوا : نحن أطعم للطّعام ، وأضرب للهام ، وذكرها بعض العلماء فقالوا : أجواد أمجاد ، ذوو ألسنة حداد . وأجمعت الأمم كلّها بخيلها وسخيّها وممزوجها « 3 » ، على ذم البخل وحمد الجود ، كما أجمعوا على ذمّ الكذب وحمد الصدق ، وقالوا : أفضل الجود الجود بالمجهود « 4 » ، وحتى قالوا في جهد المقلّ « 5 » وفيمن أخرج الجهد وأعطى الكلّ « 6 » ، وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على من جاد بماله ، فقال الفرزدق :
على ساعة لو كان في القوم حاتم * على جوده ، ضنّت به نفس حاتم « 7 »
ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة ، وقد جاد بحوبائه عند المصافنة « 8 » ، فما رأينا عربيّا سفّه حلم حاتم لجوده بجميع ماله ، ولا رأينا
هامش
( 1 ) أي النبي صلى اللّه عليه وسلم .
( 2 ) الهادية والهادي : العنق ، والهادية من كل شئ : أوله وما تقدم منه ، وفي النسخ « القوادى » ولا معنى : لها .
( 3 ) أي من امتزج فيه السخاء بالبخل ، فكان وسطا بين الكريم والبخيل .
( 4 ) المجهود هنا : الجهد ، أي الجود بقدر الجهد والطاقة ولو كان المعطى مقلا .
( 5 ) أي قالوا في الثناء على الفقير الذي يجود بما يستطيع ، ففي الأثر : « أفضل العطية جهد المقل » . وقالوا : « جهد المقل أفضل من غنى المكثر » .
( 6 ) أي وقالوا فيمن بذل جهده على إقلاله ، وفيمن خرج عن كل ماله في بذل المعروف .
( 7 ) كان الفرزدق قد صافن رجلا من بنى العنبر بن عمرو بن تميم . فطلب منه العنبري أن يؤثره على نفسه ففعل ( والمصافنة في السفر : أن يقاسم الرفيق رفيقه الماء حتى لا يغبن أحدهما الآخر ) ويروى البيت :على ساعة لو أن في القوم حاتما * على جوده ما جاد بالماء حاتمبكسر ميم حاتم على أنه بدل من الضمير في جوده .
( 8 ) الحوباء : النفس . وكان كعب بن مامة الإيادى أحد أجواد العرب الذين ضرب بهم المثل في الجود ، فقيل : « أجود من كعب بن مامة » . ومن حديثه أنه خرج في ركب فيهم رحل من النمر ابن قاسط فضلوا فتصافنوا ماءهم ، فقعدوا للشرب ، فلما دار القعب فانتهى إلى كعب أبصر لنمرى يحدد النظر إليه فآثره بمائه ، وقال للساقي : اسق أخاك النمري ، فشرب النمري نصيب كعب ذلك اليوم من الماء ، ثم نزلوا من غدهم المنزل الآخر فتصافنوا بقية مائهم ، فنظر إليه النمري كنظره أمسه ، فقال كعب كقوله -