طعامه ، فيرى أن مائدته هي التي ذكر اللّه في كتابه « 1 » ، فمن أكل منها كان رقّا له بأكلته ، تجرى عليه أحكامه ، وينفذ فيه أمره ، ضيفه أشدّ الناس شبها بالملائكة :
طعامه التسبيح ، وشعاره الصبر ، وكل حشمه طائفة من الجنّ ، مبرّحون « 2 » بالشّمّ دون الأكل ، وبالمصّ دون الشرب ، ولولا ما كفى اللّه من غربه « 3 » ، بالغرب « 4 » الذي به لضجّت الأرض إلى اللّه من تيهه ، ولتعبّدت الأئمة للّه بالابتهال إليه من تجبّره ، يرى أن قارون « 5 » كان من بعض أكرته ، والخضر « 6 » صلوات اللّه عليه من بعض فيوجه ، ولولا ما تقدّم من حقّه ، وما سبق من مودته ، والذي أنا عليه من الميل إلى ناحيته ، والنّصرة لمذاهبه ، والحيطة من ورائه ، والذّبّ عنه ، وأنى لا أرى أن أصفه إلا بأحسن ما فيه ، ولا أستحلّ ذلك منه ، لانطلق لساني من وصف عجائبه ، ولطيف بدائعه ، بما لم يخطر على قلب بشر » .
( اختيار المنظوم والمنثور 13 : 419 )
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله تعالى :« قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ». ( 2 ) برح به الأمر تبريحا : جهده واشتد عليه .
( 3 ) الغرب : الحدة .
( 4 ) بعينه غرب : إذا كانت تسيل فلا تنقطع دموعها .
( 5 ) قال تعالى :« إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ . وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ »كان ابن عم موسى وابن خالته ، والأكار بالتشديد الحراث ، جمعه أكرة ، كأنه جمع آكر في التقدير .
( 6 ) هو النبي الذي لقيه موسى عليه السلام ، وفتاه يوشع بن نون ، في طريقهما ، وفي ذلك يقول تعالى :« فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » .والفيوج جمع فيج بالفتح : وهو رسول السلطان الذي يسعى بالكتب .