تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
وأسند إليك ، ولا يشغلنّك عنه شاغل ، ولا يصرفنك عنه صارف ، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب ، استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك ، واحترزت النصحة من رعيتك ، وأعنت على الصلاح ، فدرّت الخيرات ببلدك ، وفشت العمارة بناحيتك ، وظهر الخصب في كورك ، فكثر خراجك ، وتوفرت أموالك ، وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم عن نفسك ، وكنت محمود السياسة ، مرضىّ العدل في ذلك عند عدوك ، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة ، فنافس في هذا ولا تقدّم عليه شيئا ، تحمد مغبّة أمرك إن شاء اللّه . واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك ، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم ، حتى كأنك مع كل عامل في عمله ، معاين لأمره كله ، وإن أردت أن تأمره بأمر ، فانظر في عواقب ما أردت من ذلك ، فإن رأيت السلامة فيه والعافية ، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصّنع ، فأمضه ، وإلّا فتوقف عنه ، وراجع أهل البصر والعلم ، ثم خذ فيه عدته ، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى ، فقوّاه « 1 » ذلك وأعجبه ، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره ، فاستعمل الحزم في كل ما أردت ، وباشره بعد عون اللّه بالقوة ، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك ، وافرغ من عمل يومك ، ولا تؤخره لغدك ، وأكثر مباشرته بنفسك ، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت . واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه ، فإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين ، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه . فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك ، وأحكمت أمور سلطانك . وانظر أحرار الناس وذوى الشرف منهم ، ثم استيقن صفاء طويّتهم ، وتهذيب مودتهم لك ، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك ، فاستخلصهم وأحسن إليهم ،
هامش
( 1 ) في المقدمة « وقد أتاه على ما يهوى فأغواه ذلك » .