تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
تمشين مرحا ، ولا تركبن سفها « 1 » ، ولا تفرّطن في طلب الآخرة ، ولا ترفع للنّمام عينا ولا تغمضنّ عن الظالم رهبة منه أو مخافة ، ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا ، وأكثر مشاورة الفقهاء ، واستعمل نفسك بالحلم ، وخذ عن أهل التجارب ، وذوى العقل والرأي والحكمة ، ولا تدخلن في مشورتك أهل الدقة « 2 » والبخل ولا تسمعن لهم قولا ، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم ، وليس شئ أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشح . واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية ، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا ، فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك ، بالكفّ عن أموالهم ، وترك الجور عنهم . ويدوم صفاء أوليائك لك ، بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم ، فاجتنب الشح ، واعلم أنه أوّل ما عصى به الإنسان ربه ، وأن المعاصي بمنزلة خزى ، وهو قول اللّه عز وجل :
« وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » *
فسهّل طريق الجود بالحق ، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا ، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد ، فأعدده لنفسك خلقا ، وارض به عملا ومذهبا . وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم ، وأدرر عليهم أرزاقهم ، ووسّع عليهم في معايشهم ، ليذهب بذلك اللّه فاقتهم ، ويقوّم لك أمرهم ، ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا ، وحسب ذي سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله وحيطته « 3 » وإنصافه وعنايته وشفقته وبرّه وتوسعته ، فزايل مكروه أحد البابين باستشعار تكملة الباب الآخر ولزوم العمل به ، تلق إن شاء اللّه نجاحا وصلاحا وفلاحا . واعلم أن القضاء من اللّه بالمكان الذي ليس به شئ من الأمور ، لأنه ميزان اللّه الذي يعتدل عليه الأحوال في الأرض ، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية ، وتأمن السبل ،
هامش
( 1 ) وفي المقدمة « ولا تزكين سفيها » . ( 2 ) وفي المقدمة « أهل الرفه » . ( 3 ) في المقدمة « وعطيته » .