فيهما واحدة ، لا اختلاف فيها ولا افتراق عليها ، وكيف تختلف الطاعة من رجل بنى بأمر اللّه عز وجل ، ثم هدم بوحي اللّه ؟ .
فإن قلت : إن اللّه حوّله عن أفضل القبلتين ، وأقوم الجهتين ، فلا سواء في الفضل البيّن والخير السّرّ : قبلة سلّط اللّه عليها الكافرين ، ولم يمنعها من الظالمين ، وقبلة منعها بجنود من عنده ، وعصمها بغير ما حول من خلقه ، ولا حرمة يدعيها أحد ممن فيها ، « فأرسل طيرا أبابيل « 1 » ترمى الأعداء بحجارة من سجّيل . فجعلهم كعصف مأكول » فإن تقل : هذا خبر ننكره ، وقول لا نعرفه ، فبأىّ حديث بعد هذا تؤمن به ، وتشهد للّه عزّ وجل أنه من قبله ؟ وأنتم تعلمون أنه أنزل اللّه عزّ وجل سورة الفيل على قوم أدركه منهم بشر كثير .
فإن قلت : إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم خبّرهم بما عاينوه وأدركوا خلافه ، نقل :
إنه أراد أن يفرّقهم عنه ، ويوحشهم منه ، وأحب أن يرموه بالكذب ، ويقذفوه بالحمق ، ويصموه بالجنون ، ويظنّوا به الظنون ، كلا ! ما كان نبىّ ولا غير نبي ليجاهر « 2 » أقواما بخلاف ما رأت أبصارهم ، وشاهدت آباؤهم ، فيخبرهم بخلاف ما شهدوا ، وتكذيب ما عاينوا ، فلا تكوننّ في هذا من الممترين ، ولا بأمر الفيل من المكذّبين .
فلعمر اللّه لو كان من أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ما تلحد أنت وقومك إليه ، لما قام معه رجلان ، ولا اختلف فيه سيفان ، وإن فيما صنع اللّه عزّ وجل بالفيل وأتباعه ، دلالة على قبلة اللّه وأنبيائه ، فاتّق اللّه ! فقد شرح أمير المؤمنين علامات النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكشف الأغطية لك عن النور بآيات الوحي فإن مالت
هامش
( 1 ) أبابيل : جماعات ، والسجيل : الطين المتحجر ، كعصف مأكول : أي كزرع أكل حبه وبقي تبنه ، وقصة أصحاب الفيل مشهورة .
( 2 ) في الأصل « ليجاهد » وهو تحريف .