تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
حجب الغيوب ، فلا يقوم مع ضيائها ظلمة ، ولا يثبت عند محكمها شبهة ، ولا يقيم معها في محمد صلى اللّه عليه وسلم شكّ ، لا من أصحابه خاصّة ، ولا ممّن جاء بعده عامّة ، وإنما جعلها اللّه عز وجل آية باقية في الغابرين ، وحراسة ثابتة من الشياطين ، لأن اللّه جلّ وعلا جعل نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم آخر النبيين ، فليس باعثا بعده نبيا يكذّب أقاويل الكهنة ، ويقطع أخابير « 1 » الجّنة . وستقول - فيما يذهب إليه الظنّ ، ويقع عليه الرأي - أنت ومن عقل من أمتك وأهل ملتك ، هذه آية حاسمة ، وحجة قاطعة بيّنة قائمة ، مستعلية لأمرها ، مستغنية بنفسها لا تحتاج إلى ما قبلها ، ولا يتّكل على ما بعدها ، إن أقرّت العقول بما تقول ، أو قامت البينة على ما تدّعى ، بلى ، ثم تقول : وأنّى لك بالبيّنة ؟ ولسنا نقرّ بكتابك ، ولا نؤمن برسولك ، ولا نقبل قولك فيما قد سبقنا وإياك زمانه ، وحجبت الغيوب عنا وعنك علمه ، فأرجع إليكم إن قلتم ذلك ، فإن وجدان القضاة قبل طلب البيّنات . وليس يجعل أمير المؤمنين فيما ينازعك ويحاجّك فيه حاكما غير عقلك ، ولا قاضيا سوى نفسك ، ولكنه يذكّرك اللّه الذي إليه معادك ، وعليه حسابك ، لمّا « 2 » جعلت التفهّم لمسألته من بالك ، وركبت حدودها في جوابك ، عادلا بالقسط ، قاضيا بالحق ، قائلا يالصدق ولو على نفسك ، ناظرا بالأثرة لدينك ، فلقد وفق اللّه لك آية ، وأهدى إليك بيّنة ، لا تستطيع دفعها لحجبها عن عقلك ، ولا حجابا لنورها دون بصرك ، فلا تدفع الآية بقولك ، والبيّنة بلسانك ، جحدا يقطع وصول الحجج إليك ، ولا تغلق « 3 » أبواب الفهم عنك ، فإن اللسان لك مداول حيث شئت ، ومنقاد تصرّفه فيما هويت ، ولكن انصب نفسك للفهم وأنت شهيد ، وأرد الحق وقبوله فيما تريد ،
هامش
( 1 ) أخابير : جمع الجمع الخبر . ( 2 ) أي إلا . ( 3 ) في الأصل « ويد تغلق » وهو تحريف .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 227 | أحمد زكي صفوت