تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
وأذن اللّه لقومه في قتله ، فليست الأيام بمادّة له ، ولا الحال بثابتة له ، إلّا ريثما تستلحمه « 1 » أسبابهم ، وينهض به حلماؤهم ، غضبا لربهم ، وأنفة لدينهم ، وحميّة لأصنامهم ، وحسدا من عند أنفسهم . وإما صادق بصير بموضع قدمه ، ومرمى نبله ، قد تكفّل اللّه عز وجل بحفظه ، وصحبه بعزّه ، وجعله في حرزه ، وعصمه من الخلق ، فليست الوحشة بواصلة - مع صحبة اللّه - إليه ، ولا الهيبة بداخلة - مع عصمة اللّه - عليه ، ولا سيوف الأعداء بمأذون لها فيه ، ثم ما رأيكم « 2 » يا أهل الكتاب لو قيل لكم : إن الرجل الذي يدعى العصمة ، وينتحل المنعة ، قد نجحت الأمور به على ما قال ، وسلمت الحال له فيما ادّعى ، حتى نصب لعمارات « 3 » العرب ، وجماعات الأمم يقاتل بمن طاوعه من خالفه ، وبمن تابعه من عانده ، جادّا مشمّرا ، محتسبا واثقا بموعود اللّه ونصره ، لا تأخذه لومة لائم في ربّه ، ولا يوجد لديه غميزة « 4 » في دينه ، ولا يلفته خذلان خاذل عن حقه ، حتى أعزّ اللّه دينه ، وأظهر تمكينه ، وانقادت الأهواء له ، واجتمعت الفرق عليه ، ألم يكن ذلك يزيد حقّه يقينا عندكم ، ودعوته ثبوتا فيكم ، حتى تقول الجماعة من حلمائكم ، وأهل الحنكة من ذوى آرائكم : ما كان الرجل - إذ كان وحيدا فريدا قليلا ، ضعيفا ذليلا ، معروفا بالعقل ، منسوبا إلى الفضل - ليجترئ أن يقول : إن اللّه عز وجل أوحى إليه فيما أنزل من الكتاب عليه أن يعصمه من العرب جميعا ، ويمنعه من الأمم طرّا « 5 » ، حتى يبلّغ رسالات ربه ، ويظهره على الدين كله ، ويدخل الناس أفواجا في دينه ، إلا وهو على ثقة من أمره ، ويقين من حاله . فسبحان اللّه يا أهل الكتاب ! ما أبين حقّ النبي صلى اللّه عليه وسلم لمن طلبه ، وأسهله لمن قصد له ؛ واستعملوا في طلبه ألبابكم ، وارفعوا [ إليه « 6 » ] أبصاركم ،
هامش
( 1 ) استلحم ( مبنيا للمجهول ) إذا نشب في الحرب فلم يجد مخلصا . ( 2 ) في الأصل « ثم إن آيتكم » وهو تحريف لا يستقيم عليه المعنى ، وقد أصلحته كما ترى . ( 3 ) العمارة بالفتح والكسر : الحي العظيم . ( 4 ) يقال : فيه مغمز وغميزة : أي مطعن . ( 5 ) أي جميعا . ( 6 ) في الأصل بياض محل هذه الكلمة .