408 - كتابه إلى نفر كذبوا بالقدر
وله كتاب إلى نفر كتبوا بالتكذيب بالقدر :
« أما بعد : فقد علمتم أنّ أهل السّنة كانوا يقولون : الاعتصام بالسّنة نجاة ، وسينقص العلم نقصا سريعا ، ومنه قول عمر بن الخطاب وهو يعظ : إنه لا عذر لأحد عبد اللّه بعد البيّنة بضلالة ركبها حسبها هدى ، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة ، فقد تبيّنت الأمور ، وثبتت الحجّة ، وانقطع العذر ، فمن رغب عن أنباء النّبوّة وما جاء به الكتاب ، تقطّعت من يده أسباب الهدى ، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الرّدى » .
وبلغكم أنى أقول : إن اللّه قد علم ما العباد عاملون ، فأنكرتم ذلك ، وقد قال تعالى :
« إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ »
وقال :
« وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »
وزعمتم في قول اللّه :
« فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ »
أن المشيئة في أي ذلك أحببتم : من ضلال أو هدى ، واللّه يقول :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
فبمشيئته لهم شاءوا ، وقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعا ، فما اهتدى إلا من هداه اللّه وحرص إبليس على ضلالتهم جميعا ، فما ضلّ منهم إلا من كان في علم اللّه ضالّا ، وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من اللّه ضلالة أو هدى ، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون اللّه ، وحجرتموها « 1 » عن المعصية بغير قوة من اللّه ، ومن زعم ذلك منكم فقد غلا في القول ، لأنه لو كان شئ لم يسبق في علم اللّه وقدره ، لكان اللّه في ملكه شريك تنفذ مشيئته في الخلق دون اللّه ، واللّه يقول :
« حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ »
وسميتم نفاذ اللّه في الخلق حيفا ، وقد جاء الخبر « إن اللّه عزّ وجلّ
هامش
( 1 ) الحجر : المنع .