تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧

407 - كتابه إلى بعض الأجناد

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض الأجناد : « أما بعد ، فإني أوصيك بتقوى اللّه ولزوم طاعته ، والتمسّك بأمره ، والمعاهدة على ما حمّلك اللّه عزّ وجلّ من دينه ، واستحفظك من كتابه ، فإنّ بتقوى اللّه عزّ وجلّ نجاء أولياء اللّه عزّ وجلّ من سخطه ، وبها تحقّق لهم ولايته ، وبها رافقوا أنبياءه ، وبها نضرب وجوههم ، ونظروا إلى خالقهم ، وهي عصمة في الدنيا من الفتن ، والمخرج من كرب يوم القيامة ، ولن يقبل ممّن بقي إلا مثل ما رضى به ممن مضى ، ولمن بقي عبرة فيمن مضى ، وسنة اللّه عزّ وجلّ فيهم واحدة ، بادر بنفسك قبل أن يؤخذ بكظمك « 1 » ، ويخلص إليك كما خلص إلى من كان قبلك ، فقد رأيت الناس كيف يموتون وكيف يتفرّقون ؟ ورأيت الموت كيف يعجل التائب عن توبته ، وذا الأمل عن أمله ، وذا السلطان عن سلطانه ؟ وكفى بالموت موعظة بالغة ، وشاغلا عن الدنيا ، ومرغّبا في الآخرة ، فنعوذ باللّه عزّ وجلّ من شر الموت وما بعده ، ونسأل اللّه تعالى خيره وخير ما بعده . لا تطلبنّ شيئا من عرض الدنيا بقول ولا فعل تخاف أن يضرّ بآخرتك ، ويزرى بدينك ، ويمقتك عليه ربّك ، واعلم أن القدر سيجرى إليك برزقك ، ويوافيك أكلك « 2 » من دنياك ، غير مزيد فيه بحول منك ولا قوة ، ولا منقوص منه بضعف ، إن ابتلاك اللّه بفقر فتعفّف في فقرك ، وأخبت لقضاء ربك « 3 » ، واعتبر بما قسم اللّه لك من الإسلام ، وما زوى « 4 » عنك من نعمة دنياك ، فإنّ في الإسلام خلفا من الذهب والفضّة والدنيا الفانية . واعلم أنه لن يضرّ عبدا صار إلى رضوان اللّه عزّ وجلّ
هامش
( 1 ) الكظم : الحلق ، أو الفم . أو مخرج النفس . ( 2 ) الأكل كقفل وعنق : الرزق والحظ من الدنيا . ( 3 ) أخبت : خشع وتواضع . ( 4 ) زواه : نحاه وأبعده .