ظلمكم من قريب أو بعيد ، قالوا : كتاب اللّه يتلى ، فقلت : فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل اللّه في الكتاب ، وقالوا : المحروم يرزق ، والمال يوفّى ليستنّ فيه السّنّة الحسنة ، ولا يعتدى في الخمس ولا في الصّدقة ، ويؤمّر ذو القوة والأمانة ، وتردّ مظالم الناس إلى أهلها ، فرضيت بذلك واصطبرت له ، وجئت نسوة النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى كلمتهنّ فقلت : ما تأمرننى ؟ فقلن : تؤمّر عمرو بن العاص « 1 » ، وعبد اللّه بن قيس « 2 » ، وتدع معاوية ، فإنما أمّره أمير قبلك ، فإنه مصلح لأرضه ، راض به جنده ، وأردد عمرا فإن جنده راضون به ، وأمِه فليصلح أرضه ، فكلّ ذلك فعلت « 3 » وإنه اعتدى علىّ بعد ذلك ، وعدى على الحق ، كتبت إليكم وأصحابي الذي زعموا في الأمر استعجلوا القدر ، ومنعوا منّى الصلاة « 4 » ، وحالوا بيني وبين
هامش
( 1 ) مات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص ، فلما ولى عثمان أقره على عمله أربع سنين أو نحوها ، ثم عزله وولى مكانه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح - وهو أخو عثمان من الرضاع .
( 2 ) هو أبو موسى الأشعري ، وكان عاملا على البصرة لما قتل عمر ، فأقره عثمان عليها ، وظل عامل عثمان على البصرة ست سنين ، ثم عزله عنها سنة 29 وولاها عبد اللّه بن عامر - وهو ابن خال عثمان - فسار أبو موسى من البصرة إلى الكوفة فلم يزل بها حتى أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص وطلبوا من عثمان أن يستعمل أبا موسى عليهم فاستعمله سنة 34 ، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان فعزله على عنها - انظر تاريخ الطبري 5 : 54 وأسد الغابة 3 : 246 - .
( 3 ) إن كان المراد بهذا القول وهو « أردد عمرا » تثبيته في ولايته ، فألأمر ظاهر ، إذ قد أقره عثمان وعلى ولاية مصر أربع سنين أو نحوها ثم عزله كما قدمنا ، وإن كان المراد به رده بعد عزله ، فلا يعرف في التاريخ أن عثمان رد عمرا إلى ولاية مصر - ولا إلى غيرها - بل الثابت أنه لما عزله عن مصر قدم المدينة وجعل يطعن على عثمان ، فلما حصر عثمان الحصر الأول خرج عمرو من المدينة إلى أرض له بفلسطين فنزل بها وكان يقول : واللّه إن كنت لألقى الراعي ، فأحرضه عليه - كما سيأتي - فقول عثمان في تلك الرسالة « فكل ذلك فعلت » لم يتحقق بالنسبة لعمرو بن العاص ، ولعله كان قد أزمع أن يرده إلى مصر تهدئة لثورة الثائرين عليه ، ثم حالت الظروف دون تنفيذ ذلك ، أو لعله يقصد الحادث الآتي :
روى أنه لما عزل عمرو عن مصر وولى عبد اللّه بن سعد ، نزلت الروم بالإسكندرية ، فسأل أهل مصر عثمان أن يقر عمرا حتى يفرغ من قتال الروم ، فإن له معرفة بالحروب وهيبة في قلب العدو ففعل ، وخرج عليهم عمرو في البر والبحر ، فلما انهزم الروم أراد عثمان عمرا أن يكون على الحرب وعبد اللّه بن سعد على الخراج ، فقال عمرو : أنا إذن كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها ، وأبى ذلك - انظر حسن المحاضرة 1 : 69 - .
( 4 ) معناه : لم يمكنونى من الصلاة .