تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
والذكر من شأنه ، والمحاسبة من همّته ، ولا يزال بشرّ ما استعمل التسويف ، واتّبع الهوى ، وأكثر الغفلة ، ورجّح في الأماني الحق مرّ لا يصبر عليه إلا من عرف حسن العاقبة ، ومن رجا الثواب خاف العقاب حادثوا هذه القلوب ، فإنها سريعة الدّثور « 1 » ، واقدعوا « 2 » هذه النفوس ، فإنها طلعة « 3 » ، وإنكم إلّا تزعوها « 4 » تنزع بكم إلى شرّ غاية . يا ابن آدم : نهارك ضيفك ، فأحسن إليه ، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل يحمدك ، وإن أسأت إليه ارتحل يذمّك ، وكذلك ليلك إنما أنت أيها الإنسان عدد ، فإذا مضى لك يوم فقد مضى بعضك ، وقيل له يا أبا سعيد : من أشدّ الناس صراخا يوم القيامة ؟ فقال : رجل رزق نعمة فاستعان بها على معصية اللّه . وكان يقول : لو قمت الليل حتى ينحنى ظهرك ، وصمت النهار حتى يسقم جسمك ، لم ينفعك ذلك إلا بورع صادق . وسمع رجلا يكثر الكلام ، فقال : يا ابن أخي أمسك عليك لسانك . فقد قيل : ما شيء أحقّ بسجن من لسان . وكان يقول : لو لم يكن من شؤم الشراب إلا أنه جاء إلى أحب خلق اللّه إلى اللّه فأفسده ، لكان ينبغي للعاقل أن يتركه ( يعنى العقل ) ويقول : ما أطال أحد الأمل إلا أساء العمل ، وما أساء العمل إلا ذلّ . وقال : « يا عجبا لقوم قد أمروا بالزاد ، وأوذنوا بالرحيل ، وأقام أولهم على آخرهم ، فليت شعري ! ما الذي ينتظرون ؟ وقال : اجعل الدنيا كالقنطرة : تجوز عليها ، ولا تعمرها ، وقال : ليس العجب ممن عطب كيف عطب ، إنما العجب ممّن نجا كيف نجا » ، وقال : « من أخلاق المؤمن قوة في دين ، وحرص على العلم ، وقناعة في فقر ، ورحمة للمجهود ، وإعطاء في حق ، وبرّ في استقامة ، وفقه في يقين ، وكسب في حلال » . ( الحسن البصري لابن الجوزي في مواضع متفرقة ، والبيان والتبيين 3 : 76 - 83 ، أمالي السيد المرتضى 1 : 110 - 111 . وتهذيب الكامل 1 : 29 . وزهر الآداب 1 : 178 ، 2 : 205 )
هامش
( 1 ) دثور القلوب : امحاء الذكر منها . ( 2 ) كفوها واكبحوها . ( 3 ) نفس طلعة : تكثر التطلع إلى الشئ ، وفي رواية : « فإنها طامحة » . ( 4 ) وزعه كوضع : كفه ، وفي رواية : « ممنعوها » .