ثم أقبل عبد الملك يذم الدنيا ، فقال : « إن طويلك لقصير ، وإن كثيرك لقليل ، وإن كنا منك لفى غرور » . ثم أقبل على جميع ولده فقال : « أوصيكم بتقوى اللّه ، فإنها عصمة باقية ، وجنّة واقية ، فالتقوى خير زاد ، وأفضل في المعاد ، وهي أحصن كهف ، وليعطف الكبير منكم على الصغير ، وليعرف الصغير حق الكبير ، مع سلامة الصدور ، والأخذ بجميل الأمور . وإياكم والبغى والتحاسد ، فيهما هلك الملوك الماضون ، وذوو العز المكين يا بنىّ : أخوكم مسلمة نابكم الذي تفرّون « 1 » عنه ، ومجنّكم « 2 » الذي تستجنّون به ، أصدروا عن رأيه ، وأكرموا الحجّاج فإنه الذي وطّأ لكم هذا الأمر ، كونوا أولادا أبرارا ، وفي الحروب أحرارا ، وللمعروف منارا ، وعليكم السلام » .
( مروج الذهب 2 : 154 )
176 - خطبة للوليد بن عبد الملك بعد دفن أبيه ( توفى سنة 96 ه )
لما رجع الوليد من دفن عبد الملك لم يدخل منزله حتى دخل المسجد ، ونادى في الناس الصلاة جامعة ، فصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال :
« أيها الناس إنه لا مؤخّر لما قدّم اللّه ، ولا مقدّم لما أخر اللّه ، وقد كان من قضاء اللّه وسابق علمه ، وما كتب على أنبيائه ، وحملة عرشه من الموت موت ولىّ هذه الأمة ، ونحن نرجو أن يصير إلى منازل الأبرار ، الذي كان عليه من الشدة على المريب ، واللين على أهل الفضل والدين ، مع ما أقام من منار الإسلام وأعلامه ، وحجّ هذا البيت ، وغزو هذه الثغور ، وشنّ الغارات على أعداء اللّه فلم يكن فيها عاجزا . ولا وانيا ، ولا مفرّطا ، فعليكم أيها الناس بالطاعة ، ولزوم الجماعة ، فإن الشيطان مع الفذّ ، وهو من الجماعة أبعد ، واعلموا أنه من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه » . ثم نزل . ( العقد الفريد 2 : 142 ، وتاريخ الطبري 8 : 59 )
هامش
( 1 ) فرّ الدابة : كشف عن أسنانها لينظر ما سنها .
( 2 ) المجن : الترس .