تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
في أبيات . فقال له ابن عباس : لو أن رجلا ضرب آباط « 1 » إبله ، مشرّفا ومغرّبا لفائدة هذه الأبيات ما عنّفته ، إنا منك يا ابن صوحان لعلى علم وحلم واستنباط ما قد عفا « 2 » من أخبار العرب ، فمن الحليم فيكم ؟ قال : « من ملك غضبه فلم يفعل ، وسعى إليه بحقّ أو باطل فلم يقبل ، ووجد قاتل أبيه وأخيه ، فصفح ولم يقتل ، ذلك الحليم يا ابن عباس » . قال : فهل تجد ذلك فيكم كثيرا ؟ قال : « ولا قليلا ، وإنما وصفت لك أقواما لا تجدهم إلا خاشعين راهبين ، للّه مريدين ، ينيلون ولا ينالون ، فأما الآخرون فإنهم سبق جهلهم حلمهم ، ولا يبالي أحدهم ( إذا ظفر ببغيته ) حين الحفيظة « 3 » من كان ، بعد أن يدرك زعمه ، ويقضى بغيته ، ولو وتره أبوه لقتل أباه ، أو أخوه لقتل أخاه ، أما سمعت إلى قول ريّان بن عمر بن ريّان ، وذلك أن عمرا أباه قتله مالك بن كومة ، فأقام ريّان زمانا ثم غزا مالكا ، فأتاه في مائتي فارس صباحا ، وهو في أربعين بيتا ، فقتله وقتل أصحابه وقتل عمه فيمن قتل ، - ويقال بل كان أخاه - وذلك أنه كان جاورهم ، فقيل لريان في ذلك : قتلت صاحبنا ، فقال :
فلو أمّى ثقفت بحيث كانوا * لبلّ ثيابها علق صبيب « 4 »
ولو كانت أميّة أخت عمرو * بهذا الماء ، ظلّ لها نحيب
شهرت السيف في الأدنين منّى * ولم تعطف أواصرنا قلوب « 5 »
فقال ابن عباس : فمن الفارس فيكم ؟ حدّ لي حدّا أسمعه منك ، فإنك تضع الأشياء مواضعها يا ابن صوحان ، قال : « الفارس من قصر أجله في نفسه ، وضغم « 6 » على أمله بضرسه ، وكانت الحرب أهون عليه من أمسه ، ذلك الفارس إذا وقدت « 7 » الحروب ،
هامش
( 1 ) آباط جمع إبط كحمل وإبل : باطن المنكب . ( 2 ) درس وامحى . ( 3 ) الحمية والغضب . ( 4 ) ثقفه كسمعه : صادفه ، والعلق : الدم ، أو الشديد الحمرة ، وصبيب : أي مصبوب . ( 5 ) أواصر جمع آصرة : وهي القرابة ، وحبل صغير يشد به أسفل الخباء . ( 6 ) ضغمه كمنع : عضه . ( 7 ) وقدت النار ( كوعد ) توقدت .
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 151 | أحمد زكي صفوت