« الحمد للّه الذي توحّد في ملكه ، وتفرّد في ربوبيته ، يؤتى الملك من يشاء ، وينزعه عمن يشاء ، والحمد للّه أكرم بنا مؤمنكم ، وأخرج من الشرك أولكم ، وحقن دماء آخركم ، فبلاؤنا عندكم قديما وحديثا أحسن البلاء « 1 » ، إن شكرتم أو كفرتم .
أيها الناس : إن ربّ علىّ كان أعلم بعلىّ حين قبضه إليه ، ولقد اختصه بفضل لم تعتدّوا مثله ، ولم تجدوا مثل سابقته ، فهيهات هيهات ، طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه اللّه عليكم ، وهو صاحبكم وعدوكم في بدر وأخواتها ، جرّعكم رنقا « 2 » ، وسقاكم علقا « 3 » ، وأذلّ رقابكم ، وأشرقكم بريقكم ، فلستم بملومين على بغضه ، وأيم اللّه لا ترى أمة محمد خفضا ما كانت سادتهم وقادتهم بنى أمية ، ولقد وجه اللّه إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا ، لطاعتكم طواغيتكم « 4 » ، وانضوائكم « 5 » إلى شياطينكم ، فعند اللّه أحتسب ما مضى ، وما ينتظر من سوء دعتكم ، وحيف « 6 » حكمكم ، ثم قال :
« يأهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامى اللّه ، صائب على أعداء اللّه ، نكال على فجّار قريش ، لم يزل آخذا بحناجرها ، جاثما على أنفاسها ، ليس بالملومة في أمر اللّه ، ولا بالسّروقة لمال اللّه ، ولا بالفروقة « 7 » في حرب أعداء اللّه ، أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه ، دعاه فأجابه ، وقاده فاتبعه ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، فصلوات اللّه عليه ورحمته » ثم نزل .
فقال معاوية : أخطأ عجل أو كاد ، وأصاب متثبت أو كاد ، ما ذا أردت من خطبة الحسن ؟ ( شرح ابن أبي الحديد م 4 : ص 10 )
هامش
( 1 ) البلاء يكون منحة ويكون محنة ، وهو هنا بالمعنى الأول .
( 2 ) ماء رنق : كعدل وكتف وجبل كدر .
( 3 ) العلق : الدم ودويبة في الماء تمص الدم .
( 4 ) الطواغيت : جمع طاغوت ، وهو الشيطان وكل رأس ضلال .
( 5 ) انضمامكم .
( 6 ) الحيف : الظلم :
( 7 ) الفروق والفروقة : شديد الفزع .