وعمرا يخبراك ليلة الهرير « 1 » كيف ثباتنا للمثلات « 2 » ، واستخفافنا بالمعضلات ، وصدق جلادنا عند المصاولة ، وصبرنا على اللّأواء « 3 » والمطاولة ، ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة « 4 » ، ومباشرتنا بنحورنا حدّ الأسنّة ، هل خمنا « 5 » عن كرائم تلك المواقف ؟
أم لم نبذل مهجنا « 6 » للمتالف ؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود ، ولا يوم مشهود ، ولا أثر معدود ، وإنهما شهدا ما لو شهدت لأقلقك ، فأربع على ظلعك « 7 » ، ولا تتعرض لما ليس لك ، فإنك كالمغروز في صفد « 8 » ، لا يهبط برجل ، ولا يرقأ « 9 » بيد » .
99 - مقال زياد
فقال زياد : « يا ابن عباس : إني لأعلم ، ما منع حسنا وحسينا من الوفود معك على أمير المؤمنين إلا ما سوّلت لهما أنفسهما ، وغرهما به من هو عند البأساء يسلمهما « 10 » ، وأيم اللّه لو وليتهما لأدأبا « 11 » في الرّحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما ، ولقل بمكانهما لبثهما » .
100 - جواب ابن عباس
فقال ابن عباس : « إذن واللّه يقصر دونهما باعك ، ويضيق بهما ذراعك ، ولو رمت ذلك لوجدت من دونهما فئة صدقا صبرا « 12 » على البلاء ، لا يخيمون عن اللقاء ،
هامش
( 1 ) هي ليلة العاشر من صفر سنة 37 ، وفيها حمل جيش علىّ على جيش معاوية في وقعة صفين حملة عنيفة ، واقتتلوا تلك الليلة كلها حتى الصباح ، وأوشك جيش على أن تكون له الغلبة .
( 2 ) جمع مثلة ( كغرفة ) من مثلت بالقتيل : إذا نكلت به .
( 3 ) اللأواء : الشدة .
( 4 ) المرققة .
( 5 ) خام عنه يخيم : جبن ونكص .
( 6 ) جمع مهجة ، وهي الدم أو الروح .
( 7 ) ربع كمنع : وقف وانتظر وتحبس ، وظلع ظلعا كمنع : غمز في مشيه ، واربع على ظلعك أي أنك ضعيف فافته عمالا تطيقه واسكت على ما فيك من عيب .
( 8 ) الصفد : القيد ، وفي الأصل « كالمغرور في صفد » وأراه « كالمقرون في صفد » .
( 9 ) أي يصعد ويعلو : رقأ في الدرجة صعد : يقال رقأت ورقيت ( كرضيت ) وترك الهمزة أكثر .
( 10 ) أسلمه : خذله .
( 11 ) أجهدا وأتعبا .
( 12 ) أي ذات صدق وصبر على البلاء أو هو « صدقا صبرا » بضمتين جمع صدوق وصبور .