الحقّ إلا بالجدّ ، أىّ دار بعد داركم تمنعون ؟ ومع أي إمام بعدى تقاتلون ؟ المغرور واللّه من غررتموه ، ومن فاز بكم فقد فاز واللّه بالسهم الأخيب ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل « 1 » ، أصبحت واللّه لا أصدق قولكم ، ولا أطمع في نصركم ، ولا أوعد العدوّ بكم ، ما بالكم ؟ ما دواؤكم ؟ ما طبّكم ؟ القوم رجال أمثالكم ! أقولا بغير علم ، وغفلة من غير ورع ، وطمعا في غير حق ! » .
وزاد ابن قتيبة في الإمامة والسياسة :
« فرّق اللّه بيني وبينكم ، وأعقبنى بكم من خير لي منكم ، وأعقبكم بعدى من شرّ لكم منى ؛ أما إنكم ستلقون بعدى ذلّا شاملا ، وسيفا قاتلا ، وأثرة يتخذها الظالمون بعدى فيكم سنّة ، تفرّق جماعتكم ، وتبكى عيونكم ، وتدخل الفقر بيوتكم ، تمنّون واللّه عندها أن لو رأيتموني ونصرتمونى ، وستعرفون ما أقول لكم عمّا قليل .
استنفرتكم فلم تنفروا ! ونصحت لكم فلم تقبلوا ! وأسمعتكم فلم تعوا ، فأنتم شهود كأغياب ، وصمّ ذو وأسماع ، أتلو عليكم الحكمة ، وأعظكم بالموعظة النافعة ، وأحثكم على جهاد المحلّين « 2 » ، الظّلمة الباغين ، فما آتى على آخر قولي ، حتى أراكم متفرقين ، وإذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا « 3 » عزين « 4 » ، تضربون الأمثال ، وتناشدون الأشعار ، تربت « 5 » أيديكم ، وقد نسيتم الحرب واستعدادها ، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها ، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل » .
( نهج البلاغة 1 : 39 ، والإمامة والسياسة 2 : 111 ، والبيان والتبيين 2 : 26 )
هامش
( 1 ) سهم أفوق مكسور الفوق ( بضم الفاء ) والفوق : مدخل الوتر من السهم ، والناصل : العاري عن النصل .
( 2 ) أي الذين خرجوا على إمامهم واستحلوا قتاله .
( 3 ) الحلق : محركة جمع حلقة ( بسكون اللام ) وحلقة القوم : الذين يجتمعون مستديرين .
( 4 ) جمع عزة ( بالكسر ) : وهي الطائفة من الناس .
( 5 ) دعاء عليهم : أي خسرتم ولا أصبتم خيرا ، وأصله من ترب الرجل : أي افتقر كأنه لصق بالتراب .