وفود العرب يعزون سلامة ذا فائش بابن له مات
نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول ، وكان مسرورا به يرشّحه لموضعه ، فركب ذات يوم فرسا صعبا ، فكبا به فوقصه « 1 » ، فجزع عليه أبوه جزعا شديدا ، وامتنع من الطعام ، واحتجب عن الناس ، واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزوه ، فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه ، فخرج إلى الناس فقام خطباؤهم يؤسّونه « 2 » ، وكان في القوم الملبّب ابن عوف ، وجعادة بن أفلح ، فقام الملبب فقال :
6 - خطبة الملبب بن عوف
أيها الملك ، إن الدنيا تجود لتسلب ، وتعطى لتأخذ ، وتجمع لتشتّت ، وتحلى لتمرّ ، وتزرع الأحزان في القلوب ، بما تفجأ به من استرداد الموهوب ، وكلّ مصيبة تخطّأتك جلل « 3 » ، ما لم تدن الأجل ، وتقطع الأمل ، وإن حادثا ألمّ بك ، فاستبد « 4 » بأقلك ، وصفح عن أكثرك ، لمن أجل النعم عليك ، وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر ؛ وأصيب فاغتفر ، إذ كان شوى « 5 » فيما يرتقب ويحذر ، فاستشعر اليأس مما فات ، إذ كان ارتجاعه ممتنعا ، ومرامه مستصعبا ، فلشىء ما ضربت الأسى ، وفزع أولو الألباب إلى حسن العزاء .
هامش
( 1 ) وقص عنقه : كسرها .
( 2 ) أساه تأسية : عزاه ، وأصله : أن يقول له لك أسوة بفلان وفلان .
( 3 ) الجلل : العظيم والحقير وهو هنا بالمعنى الثاني .
( 4 ) البدة بالضم : النصيب ، واستبد به :
جعله نصيبه .
( 5 ) الشوى : الهين اليسير ورذال المال .