بعينيك ، ولا تقل قال فلان خلاف قولك ، ولا تأخذ بثوبه ، ولا تلح عليه في السؤال ، فإنه بمنزلة النخلة المرطبة لا يزال يسقط عليك منها شيء .
وقالوا : من تمام آلة العالم أن يكون مهيبا وقورا ، بطىء الالتفات قليل الإشارة ، لا يصخب ، ولا يلعب ، ولا يجفو ، ولا يلغو . وقد قيل : إن هذا لا يحتاج إليه مع أداء ما للّه عليه .
بلغني أن إسماعيل بن إسحاق قيل له : لو ألفت كتابا في آداب القضاة فقال : وهل للقاضي أدب غير أدب الإسلام ، ثم قال : إذا قضى القاضي بالحق فليقعد في مجلسه كيف شاء ويمد رجليه إن شاء .
وقالوا : الواجب على العالم أن لا يناظر جاهلا ولا لجوجا ، فإنه يجعل المناظرة ذريعة إلى التعلم بغير شكر .
وقال أيوب بن القرّية : أحق الناس بالإجلال ثلاثة : العلماء والإخوان والسلاطين ، فمن استخف بالعلماء أفسد مروءته ، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه ، والعاقل لا يستخف بأحد . قال : والعاقل الدّين شريعته ، والحلم طبيعته والرأي الحسن سجيته .
قال أبو عمر : وآداب المناظرة يطول الكتاب بذكرها ، وقد ألف قوم في أدب الجدل وأدب المناظرة كتبا من طالعها وقف على المراد منها ، وفيما ذكرنا في هذا الباب عن السلف من جهة الآثار ما يغنى ويكفى لمن وفق لفهمه .
وأحسن ما رأيت في آداب التعلم والتفقه من النظم ما ينسب إلى اللؤلؤ من الرجز وبعضهم ينسبه إلى المأمون ، وقد رأيت إيراد ما ذكر من ذلك لحسنه ، ولما رجوت من النفع به لمن طالع كتابي هذا ، نفعنا اللّه وإياه به قال :
واعلم بأن العلم بالتعلم * والحفظ والإتقان والتفهم
والعلم قد يرزقه الصغير * في سنه ويحرم الكبير