فقال له : ويحك يا جرير ، قد ولّينا هذا الأمر ولا نملك إلّا ثلاثمائة درهم ؛ فمائة أخذها عبد اللّه ، ومائة أخذتها أمّ عبد اللّه ، يا غلام أعطه المائة الباقية .
قال : فأخذها جرير ، وقال : واللّه لهي أحبّ إليّ مما اكتسبته . ثم خرج فقال له الشعراء : ما وراءك ؟ فقال : ما يسوؤكم ، خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشّعراء ، وإني عليه لراض ، وأنشد :
رأيت رقى الشّيطان لا تستفزّه * وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا « 1 »
* * *
ومن لطائف الطّرف
ما حدّث إبراهيم بن المهديّ ، قال : قال لي جعفر يوما : إني استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غدا ، فهل أنت مساعدي ؟
فقلت : جعلت فداءك ! أنا أسعد بمساعدتك ، وأسرّ بمحادثتك ، قال : فبكّر إليّ بكور الغراب .
قال : فأتيته عند الفجر فوجدت الشّمعة بين يديه ، وهو ينتظرني للميعاد ، فصلّينا ، ثم أفضينا إلى الحديث ، وقدّم الطّعام فأكلنا ، فلمّا غسلنا أيدينا خلعت علينا ثياب المنادمة ، ثم ضمّخنا بالخلوق « 2 » ، ومدّت الستائر « 3 » ، ثم إنّه ذكر حاجة فدعا الحاجب ، فقال : إذا أتى عبد الملك فأذن له - يعني قهرمانا له .
فاتّفق أن جاء عبد الملك بن صالح الهاشميّ شيخ الرّشيد - وهو من جلالة القدر والورع ، والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل ، وكان الرشيد قد اجتهد أن يشرب معه قدحا واحدا ، فلم يقدر عليه ، ترفّقا لنفسه - فلمّا رفع السّتر ، وطلع علينا ، سقط في أيدينا « 4 » ، وعلمنا أنّ الحاجب قد غلط بينه وبين عبد الملك القهرمان ، فأعظم جعفر ذلك ، وارتاع له ، ثم قام إجلالا له .
فلمّا نظر إلى تلك الحال دعا غلامه ، فدفع إليه سيفه وعمامته ، ثمّ قال : اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم .
قال : فجاء إليه الغلمان فطرحوا عليه الثّياب الحرير ، وضمّخوه ، ودعي بالطّعام فطعم وشرب ثلاثا ، ثم قال : ليخفّف لي ، فإنّه شيء ما شربته واللّه . فتهلّل وجه جعفر
هامش
( 1 ) الخبر والشعر في العقد 2 / 91 - 96 .
( 2 ) الخلوق : الطيب .
( 3 ) أ ، ب : « الستارة » .
( 4 ) سقط في يده وأسقط ، أي أحس أنه زل وأخطأ .