حسن بن زفر الطبيب الإربلّي ، في كتابه « روضة الجليس ونزهة الأنيس » ؛ وهو أنّ بعض الرؤساء قال : أخبرني بعض الأصحاب قال : كنت يوما جالسا عند صديق لي بالموصل إذ جاءه كتاب من بغداد من صديق له ، وفيه تشوّق ، وفيه عتاب بهذا البيت :
تناسيتم العهد القديم كأنّنا * على جبلي نعمان لن نتجمّعا
فأخذ يستحسن هذا البيت ، ويهتزّ له ، فقلت : باللّه عليك ! أسألك شيئا لا تخفه ، قال : سل ، قلت : هذه معشوقتك صاحبة هذا الكتاب ، هل كنت تأتيها من وراء الدار ؟ فقال : إي واللّه ، ومن أين علمت ذلك ؟ فقلت : من البيت ؛ لأنها ذكّرتك فيه بجبلي نعمان ، وهما كناية عند الظّرفاء من أهل الأدب عن جانبي الكفل للمليح والمليحة ، فقال : واللّه ما أدركت ما أدركت .
ونقلت من اللطائف المسبوكة في قالب التّورية أنّ بعض الكتّاب دخل يسلّم على بعض فضلاء النّحاة - وكان من أصحابه - فوجده قائما يلوط بأحد الغلمان الملاح من طلبته ، فرآه النحويّ ، ولم يره الغلام ، فجلس النحويّ في مكانه ، وبقي الغلام واقفا مبهوتا . فقال الكاتب للنّحويّ : ما لي أرى هذا الغلام واقفا ! فقال النحويّ : وقع عليه الفعل فانتصب .
ومثل ذلك قصة ابن عنين مع الملك المعظم عيسى بن الملك العادل لمّا كتب إليه في ضعفه :
أنظر إليّ بعين مولى لم يزل * يولي النّدى وتلاف قبل تلافي « 1 »
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه * فاغنم دعائي والثّناء الوافي
فحضر إليه المعظم بنفسه ، ومعه ثلاثمائة دينار ، وقال له : أنت « الذي » وأنا « العائد » وهذه « الصّلة » .
وظرف من قال :
وذي أدب بارع نكته * وأولجت فيه قمدّا عنف « 2 »
فقلت : فديتك أعصر عليه * ففيه اللّذاذة لو تعترف
فقال : أجدت ولكن لحنت * لقولك « أعصر » بفتح الألف
فقلت لك الويل من أحمق * فقال : « وأحمق لا ينصرف »
وأظرف منه قول الحسين بن الرّيان :
أتيت حانة خمّار وصاحبها * مما جن متقن للنّحو ذو لسن
وحوله كلّ هيفاء منعّمة * وكلّ علق رشيق أهيف حسن
هامش
( 1 ) ديوانه : 92 .
( 2 ) القمد : القوي الشديد