ومن اللطائف ما حكاه الأصمعيّ قال : مررت بكنّاس يكنس كنيفا وهو يغنّي ، ويقول :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر « 1 »
فقلت له : أمّا سداد الثّغر فلا علم لنا كيف أنت فيه ، وأما سداد الكنف فمعلوم .
قال الأصمعيّ : وكنت حديث « 2 » السّن ، فأردت العبث به ، فأعرض عني مليّا ، ثم أقبل عليّ وأنشد :
وأكرم نفسي ، إنّني إن أهنتها * - وحقّك - لم تكرم على أحد بعدي
فقلت له : وأيّ كرامة حصلت لها منك ! وما يكون من الهوان أكثر مما أهنتها به !
فقال : لا واللّه بل من الهوان ما هو [ أكثر « 3 » ] وأعظم ممّا أنا فيه .
فقلت له : وما هو ؟ فقال : الحاجة إليك وإلى أمثالك . قال : فانصرفت وأنا أخزى النّاس .
ذكرت بقول الكنّاس غريم الأصمعيّ ما يضارع ذلك - أعني قوله :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
قيل : إنه كان لأبي حنيفة - رضي اللّه عنه - جار إسكاف بالكوفة ، يعمل نهاره أجمع ، فإذا جنّه الليل ، رجع إلى منزله بلحم وسمك ، فيطبخ [ اللحم ] ، ويشوي السّمك ، فإذا دبّ فيه السّكر أنشد :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
ولا يزال يشرب ، ويردّد البيت إلى أن يغلبه السّكر وينام .
وكان الإمام أبو حنيفة يصلّي اللّيل كلّه ، ويسمع حديثه وإنشاده ، ففقد « 4 » صوته بعض الليالي ، فسأل عنه ، فقيل : أخذه العسس منذ ثلاثة أيام ، وهو محبوس . فصلّى الإمام الفجر ، وركب بغلته ومشى ، واستأذن على الأمير . فقال : ائذنوا « 5 » له وأقبلوا به راكبا حتّى يطأ البساط . فلمّا دخل على الأمير أجلسه مكانه ، وقال : ما حاجة الإمام ؟
فقال : لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاثة أيّام ، فنأمر بتخليته . فقال : نعم ، وكلّ من أخذ تلك اللّيلة إلى يومنا هذا . ثم أمر بتخليته وتخليتهم أجمعين . فركب
هامش
( 1 ) الثغر : موضع المخافة ، وسداد بكسر السين ، وكل ما سددت شيئا فهو سداد ، والسداد بالفتح هو القصد ، في الدين والسبيل . والبيت للعرجي ، ديوانه : 34 .
( 2 ) د . « حدث » .
( 3 ) تكملة من ط .
( 4 ) ب . « وفقد » .
( 5 ) ط ، ب ، د . « وأقبلوا به راكبا » .