ثم عطفتنا الأقدار إلى جهة الرّملة وجاءت الوفود كالرّمل ، وخفّت أكياس دراهم الصّلات وثقلت أكياس دراهم الحمل ، وأقمنا ثلاثة أيام نكاد ننشد :
خرجنا على أنّ المقام ثلاثة * فطاب لنا حتى أقمنا بها عشرا
ورأينا مسجدا يعرف بالركنيّ قد غيّر الزمان محاسنه الأنيقة ، وهدم الخراب والموت ركنيه على الحقيقة ، فأمر مولانا الصاحب بعمارة ما منه اندثر ، ولحظت الآراء حجارته المنقضّة فتبيّن أنّ السعادة تلحظ الحجر . ولقد صنع في هذه المنزلة من المعروف ما لم يصنع ذو الدهر الطويل مثله ، وبنى من المكرمات ما ثبت ولولا إبداع سعادته ما ثبت البناء فوق الرّملة .
ورحلنا عن الرّملة بنيّة الزيارة لمشهد زكريا ويحيى عليهما السلام ، فمررنا في طريقنا بجملة غير معترضة ، ونبتة في وجهة القبول مبيضّة ، تحتوي على قبر بنيامين أخي يوسف عليهما السلام ، فألحقناه بزيارة أخيه ، وتوكّلنا على اللّه في القبول توكّل أبيه ، وتيمّمنا ببنيامين ، وقرعنا أبواب السماء بأدعية فاتحة فقال النجح عقيب الفاتحة : آمين .
وسرنا والصّدور منشرحة ، والطريق إلى خير الدارين متّضحة ؛ وجئنا المشهد وقد ظهرت عليه بضريحين كريمين بهجة الدين والدنيا ، وتلا مزارها للقادم : إنّا نبشّرك بيحيى ، وبتنا ليلة طيّبة نحييها ونميت النوم ، ونعصي بالسهر أمره فما له سلطان على أعين القوم .
وأصبحنا وقد امتلأت القلوب سرورا ، والأعين نورا ، وقوينا على قصد جنى الجنان ، واستقبلنا محاسن بيسان .
وختمنا الزيارة بمشهد معاذ بن جبل رضي اللّه عنه ، فأنقذت أنواره القلوب من الهمّ أيّ إنقاذ ، وكدنا نفتن بالأنس حتى نقول : أفتّان أنت يا معاذ ؟ وأمسكنا عنده من الدعاء بعروة لا تنفصم ، وآوينا من طوفان الذّنوب إلى جبل ينجو من به يعتصم . وأمر بما يحتاج إليه من تجديد عمارة ، وإنشاء طهارة ، وألحق بكل مزار وردنا عليه في هذه السيارة ، فإنّا لا نفارقه إلّا عن إقامة صلاة وصلات ، وتجديد آثار يزين به وجه القبول كاتب الحسنات .
ثم نهضنا عن الغور نهوض ليثه الملبّد ، وجزنا مبتسمين فما بكينا بكاء لبيد يوم فراقه أربد ، وانتشقنا من تلقاء طيبة الاسم أطيب العرف ، وسلكنا بحرف واديها مستبشرين فكانت طيّبة الاسم والفعل والحرف .
ثم عاودنا المنازل التي قدّمنا ذكرها ، ورجعنا كما تسترجع منازل الأفق زهرها ، وتنسّمنا أرواح دمشق حتى كدنا ننشق من ذيل الكسوة عطرها . واستقبلنا الديار على