وشاهد القرمانيّون من سيوفنا شدّة القرم ، فخشي كلّ منهم أن يصير لحما على وضم ، ورأوا ألسن السهام في أفواه تلك المرامي برأينا الصائب ناطقة ، وما أظهروا على سماء برج غيوم ستائر إلا لمعت فيها من بوارق نفوطنا بارقة .
فمزّقوا الأطواق من الحنق فطوّقناهم بالحديد ، وأحيينا الفتح المأموني برأينا الرشيد ، وما خفي عن كريم علمه وقوع انتقامنا الشريف في الغادر ابن الغادر لمّا أدبر وقطع اللّه دابره ، وظهور السرّ الإبراهيميّ لمّا ادّعى أنه نمرود تلك الفئة الغادرة . كلّمه بسيوفنا فأخرسه وتخبّط شيطان الرعب بمسّه ، ورأى فيه تلك الهمة العالية فنجا من تلك الرقعة بفرسه ونفسه ، وآوى من قبل إلى جبل ليعصمه فقال له : لا عاصم اليوم من أمر اللّه ، ورماه من شاهقة في بحر عساكرنا بعد ما عضّ عليه بثناياه ، وسمع الرّعد من سيف إبراهيم ففرّ وقد شاهد من أصيب بصواعقه من عصاة التركمان ، وصدقت فيه عزائم أتراكنا وما رئي أحد في ذلك اليوم من التركمان . وسقوا أوعار تلك الجبال من دمائهم فكادت أحجارها أن تورق وتخصب بعد المحل . وجنوا بالعسّال عسل النصر وغنموا من الأنعام ما زاد في عدد أجناسه على النحل . ونفرت عنهم أوانس تلك الظباء ، والمتيم ينشد :
* « لهفي لظبية أنس منكم نفرت » *
وانفطرت كبده لمّا رأى كواكب الحيّ من أفلاك تلك الصدور قد انتثرت .
وسنّ المقرّ الصارميّ فيهم عزمه فقطع بهذا الصارم من عواتقهم أوصالا ، وحميت نار حربه فسبكت أوانيهم من الذهب والفضة تحت حوافر خيله نعالا .
ورخصت أنواع الدّيباج فكم من معدنيّ صار مع دنيّ ؛ لأن قبورهم بعثرت ، وتلا لسان حال الكثب « 1 » على السمور « 2 » وغيره من أصناف الوبر :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
[ التكوير : 5 ] ، وانقادت ركائبهم إلينا وبدور مواطئها في بروج تلك الجبال قد أشرقت ، والناظر يتلو متعجبا :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
[ الغاشية : 17 ] .
وكانت نار حرب القوم على المقرّ الإبراهيميّ بردا وسلاما ، فإنه رفع قواعد بيته في ذلك اليوم وعلمنا أنّ اللّه قد جعل لإبراهيم في هذا البيت الشريف مقاما ، ورقّاه في عمر الأبدار إلى بروج الكمال ، فأبدر فيها وسرى وأنشد لسان الحال بهذا المقال :
وقد ظهرت فلا تخفى على أحد * إلا على أكمه لا يعرف القمرا
وإن كان شبلا فهو في المخبر كأسده ، ومصارع ليوث الحرب قد جعلها اللّه من
هامش
( 1 ) ج « الكسب » .
( 2 ) السمور : دابة معروفة تسوى من جلودها فراء غالية الثمن .