تغميضا بيّنا ، فقال مولانا الصاحب : ما تقول في بيته ؟ فقلت : ما أقول في جنّة الخلد :
وشكا قوم عشرة هذا الرجل فكتبت على ورقتهم : اصبروا على ما يفعلون
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ السجدة : 14 ] .
ثم دخل الناس على الأبواب الصاحبية أفواجا ، وما ترك أحد منهم منهاجا ذا ناحية إلا منهاجا ، ومكثنا في البيوت إلى أن صحا الأفق من مدامة غمامه ، وحسر عن وجهه للأبصار فضل لثامه . وقمنا لبقية المشاهد قاصدين ، ولتلك المباني المعظمة شاهدين ومشاهدين ، فعاودنا الصخرة بقلوب قد لانت ، ونثرنا على مواطئ القدم دموعا عزّت بلمسها ولا نقول هانت ، ونظرنا آثارا قديمة تذهل عيون النّظّارة ، وآثارا متجدّدة في هذه الدولة القاهرة تقصر عنها العبارة ، ومحاسن يقف في طريق الزيارة متأملها وقفة في الطريق يصف الزيارة ، فمنها ما هو مخصوص بالحرم الشريف نستلم كالحجّاج أركانه ، ونقلّب وجوهنا في سماء سقف يكاد يمطر علينا لجينه وعقيانه .
ونشاهد رخاما بلغ في الحسن والمحلّ الأقصى وتمّت به في بهجة المكان زيادة تخالف قول النحاة إن في الترخيم نقصا .
فأما المياه التي تجري في الحرم على رأسها ، وتطوف على مواضع المنافع بنفسها ، فتلك نعمة مقيمة ، يكافئ اللّه عنها في دار المقامة ، وحسنة في المعنى والصورة جارية إلى يوم القيامة .
ومن المباني المذكورة ما هو خصيص بمولانا ملك الأمراء أعز اللّه أنصاره ، وأبقاه سيفا يقف كلّ ذي قدر عند حده فلا يجاوز مقداره ، من مدرسة علم يدرس ولا يدرس معهده ، ودار حديث يروى فيروي الأسماع الظامئة مورده ، وخانقاه تضيء عليها أنوار البركات الكوامل ، ورباط ومكتب هما كما قيل : ثمال اليتامى عصمة للأرامل .
وقلت فيهما :
بنيت رباطا للنساء ومكتبا * يدير على الأيتام سحب الفواضل
فللّه من هذا وذاك كما ترى * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فجنينا من تلك المحاسن بساتين دانية القطوف ، ولحظنا من الظلال السّيفية جنّة نشأت وكذلك الجنة تحت ظلال السيوف ، وشرعت صدقات السرّ والجهر ، وقوبل السؤال ببحر لا يسمع عنده نهر ، وغصّ بفقرائهم المكان والطريق ، وجاؤوا رجالا ونساء
وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
[ الحج : 27 ] ؛ فوضع في مواضعه النّوال ، وقدّرت الكساوي حتى على المستورين والأطفال .
هذا وكم ثياب صفوف أعرض إشراقها عن مقال اللاحين ، واتخذ الفقراء