ومن المنقول عن أذكياء المتلصّصين أنّ بعض التّجار قال : احتال عليّ رجل بحوالة ، فكان يأتيني كلّ يوم ، ويأخذ قدر نفقته إلى أن نفدت ، وصار بيننا معرفة ، وألف الجلوس عندي ، وكان يراني أخرج من صندوق لي فأعطيه منه ، فقال لي يوما :
إنّ قفل الرجل صاحبه في سفره ، وأمينه في حضره ، وخليفته على حفظ ماله ، [ والذي ينفي الظّنة عن أهله وعياله ] « 1 » وإن لم يكن وثيقا تطرّقت الحيل إليه ، وأرى قفلك هذا وثيقا ، فقل : ممّن ابتعته لأبتاع مثله لنفسي ؟ فقلت : من فلان الأقفاليّ ، قال : فما شعرت يوما وقد جئت إلى دكّاني ، وتقدمت إلى الصّندوق لأخرج منه شيئا من الدّراهم ، ففتحته فإذا ليس فيه شيء . فقلت لغلامي - وهو أمين غير متّهم عندي : هل أنكرت شيئا من أحوال الدّكان ؟ قال : لا ، قلت : ففتّش هل ترى نقبا ، أو في السّقف شيئا ؟ قال : لا ، قلت : فاعلم أنّ الذي كان في الصّندوق قد نهب . وقلق الغلام فأمسكته ، وأقمت مفكرا ، وتأخّر الرجل عني فتذكّرت سؤاله عن القفل ، وقلت للغلام : أخبرني كيف تفتح دكّاني وتغلقه « 2 » ؟ فقال : أحمل الدّراب « 3 » دفعتين ، وثلاث ، حتى أضعها في محلها ، وهكذا أصنع في غلقها . قلت : فمن تدع عند الدكان إذا نقلت الدّراب ؟ قال : اتركه خاليا . قلت : فمن هاهنا دهيت ؛ فمضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل ، فقلت : جاءك إنسان منذ أيام اشترى منك مثل هذا القفل ؟
فقال : نعم ، رجل من صفته كذا وكذا - وأعطاني صفة صاحبي - فعلمت أنّه احتال على الغلام وقت المساء لمّا انصرفت أنا ، [ وبقي الغلام يحمل الدراب ] « 4 » ؛ ودخل الدّكان ، واختبأ فيه ، ومعه مفتاح القفل الذي اشتراه يقع على قفلي ، وأنّه أخذ المال ، ومكث طول الليل إلى الصباح ، فلمّا فتح الغلام وحمل الدّراب ليضعها في محلّها خرج ، وأنه ما فعل ذلك إلّا وقد خرج من المدينة .
فخرجت من البصرة ، ومعي قفلي ومفتاحي ، فقال : أبتدئ [ بطلب الرجل ] « 5 » بواسط ، فلمّا صعدت طلبت خانا أنزله ، فلمّا دخلت الخان وجدت قفلا مثل قفلي على باب بيت ، فقلت لقيّم الخان : هذا البيت من ينزله ؟ قال : رجل قدم أمس من البصرة . فقلت : ما صفته ؟ فوصف لي صفة صاحبي ، فما شككت أنّه هو ، وأنّ الدراهم في بيته . فاكتريت بيتا إلى جانبه ورصدته حتى انصرف قيّم الخان ، ففتحت القفل ودخلت البيت ، فوجدت كيسي بعينه ، فأخذته وخرجت ، ووضعت قفله على
هامش
( 1 ) تكملة من الأذكياء .
( 2 ) في ط : « وتقفله » .
( 3 ) في اللسان : الدرب : الباب الأكبر و « جمعه دراب » .
( 4 ) من كتاب الأذكياء .
( 5 ) الأذكياء : 117 ، 118 .