الخشوع تأثيرا كبيرا ، فصام ثلاثة أيام وطوى ، ثم أفطر الليلة الثالثة على تلك النخالة المشوية . فيقال إنه في تلك الليلة تغشى أهله فكان منها عبد العزيز وجاء منه عمر بن عبد العزيز ، وكان واحد زمانه في عدله وإنصافه وزهده وإحسانه ، وكان على طريقة عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه ، وقيل إن ذلك ببركة نيته وصيامه وأكله من ذلك الطعام .
نكتة : سئل عمر بن عبد العزيز : ما كان سبب توبتك ؟ قال : كنت أضرب يوما غلاما ، فقال لي : اذكر الليلة التي تكون صبيحتها القيامة ! فعمل ذلك الكلام في قلبي .
نكتة أخرى : رأى بعض الأكابر هارون الرشيد في عرفات وهو حاف حاسر قائم على الرمضاء الحارة ، وقد رفع يديه وهو يقول : إلهي أنت أنت وأنا أنا الذي دأبي كل يوم أعود إلى عصيانك ، ودأبك أن تعود إليّ برحمتك . فقال بعض الكبراء : انظروا إلى تضرّع جبّار الأرض بين يدي جبّار السماء .
نكتة أخرى : سأل عمر بن عبد العزيز يوما أبا حازم الموعظة ، فقال له أبو حازم : إذا نمت فضع الموت تحت رأسك ، وكل ما أحببت أن يأتيك الموت وأنت عليه مصرّ ؛ فالزمه ، وكل ما لا تريد أن يأتيك الموت وأنت عليه ؛ فاجتنبه ، فربّما كان الموت منك قريبا .
فينبغي لصاحب الولاية أن يجعل هذه الحكاية نصب عينيه ، وأن يقبل المواعظ التي وعظ بها غيره ، فكلّما رأى عالما سأله أن يعظه . وينبغي للعلماء أن يعظوا الملوك بمثل هذه المواعظ ، ولا يغرّوهم ولا يدّخروا عنهم كلمة الحق ، وكل من غرّهم فهو مشارك لهم ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
* * *
الأصل الثالث من ذلك ينبغي أن لا تقنع برفع يدك عن الظلم
لكن تهذّب غلمانك وأصحابك وعمّالك ونوّابك ، فلا ترضى لهم بالظلم فإنك تسأل عن ظلمهم كما تسأل عن ظلم نفسك .
نكتة : كتب عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه ، إلى عامله أبي موسى الأشعري : « أمّا بعد ؛ فإن أسعد الولاة من سعدت به رعيته ، وإن أشقى الولاة من شقيت به رعيته ؛ فإياك والتبسّط فإن عمالك يقتدون بك ، وإنّما مثلك كمثل دابة رأت