أحد ، وكان يسأل كل من يلقاه عن حال داود سرّا ، فجاءه جبريل في صورة رجل فقال له داود : ما تقول في داود ؟ فقال : نعم العبد إلّا أنه يأكل من بيت المال ولا يأكل من كدّه وتعب يديه . فعاد داود إلى محرابه باكيا حزينا وقال : إلهي علمني صنعة آكل بها من كدّي وتعب يدي . فعلّمه اللّه تعالى صنعة الزرد .
وكان عمر بن الخطّاب يخرج كل ليلة يطوف مع العسس حتى يرى خللا يتداركه ، وكان يقول : لو تركت عنزا جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن أسأل عنها في القيامة .
فانظر أيها السلطان إلى عمر مع احتياطه وعدله ، وما وصل أحد إلى تقواه وصلاته ، كيف يتفكّر ويتخوّف من أهوال يوم القيامة ، وأنت قد جلست لاهيا عن أحوال رعيتك غافلا عن أهل ولايتك ! .
قال عبد اللّه بن عمر وجماعة من أهل بيته : كنّا ندعو اللّه أن يرينا عمر في المنام ، فرأيته بعد اثني عشر كأنه قد اغتسل وهو متلفّع فقلت : يا أمير المؤمنين كيف وجدت ربّك ، وبأي حسناتك جازاك ؟ فقال : يا عبد اللّه كم لي منذ فارقتكم ؟
فقلت : اثنتا عشرة سنة . فقال : منذ فارقتكم في الحساب وخفت أن أهلك إلّا أن اللّه غفور رحيم ، جوّاد كريم . فهذا حال عمر ولم يكن له من دنياه شيء من أسباب الولاية سوى درّة .
حكاية :
أرسل قيصر ملك الروم رسولا إلى عمر بن الخطّاب لينظر أحواله ويشاهد فعاله ، فلمّا دخل المدينة سأل أهلها وقال : أين ملككم ؟ قالوا : ليس لنا ملك ، بل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة . فخرج الرسول في طلبه فوجده نائما في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار ، وقد وضع درّته كالوسادة تحت رأسه ، والعرق يسقط منه إلى أن بلّ الأرض ؛ فلمّا رآه على هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه وقال :
رجل تكون جميع ملوك الأرض لا يقرّ لهم قرار من هيبته ، وتكون هذه حاله ؟
ولكنك يا عمر عدلت فأمنت فنمت ، وملكنا يجور لا جرم أنه لا يزال ساهرا خائفا .
أشهد أن دينكم لدين الحق ؛ ولولا أني أتيت رسولا لأسلمت ، ولكن سأعود بعد هذا وأسلم .
أيها السلطان ؛ خطر الولاية عظيم ، وخطبها جسيم ، والشرح في ذلك طويل ، ولا يسلم الوالي إلّا بمقاربة علماء الدين ليعلموه طرق العدل ويسهلوا عليه خطر هذا الأمر .
* * *