وإن كان مقصودك أن تخدمك الناس ، فأنت جاهل في صورة عاقل ؛ فإنك لو كنت عاقلا لعلمت أن الذين يخدمونك إنّما هم خدم وغلمان لبطونهم وفروجهم وشهواتهم ، وأن خدمتهم وسجودهم لأنفسهم لا لك ؛ وعلامة ذلك أنهم لو سمعوا إرجافا بأن الولاية تؤخذ منك وتعطى لسواك لأعرضوا بأجمعهم عنك ، وفي أي موضع علموا الدرهم خدموا وسجدوا لذلك الموضع ، فعلى الحقيقة ليست هذه خدمة وإنما هي ضحكة .
والعاقل من نظر أرواح الأشياء وحقائقها ولا يغترّ بصورها . وحقيقة هذه الأعمال ما ذكرناه وأوضحناه ، فكلّ من لم يتيقّن ذلك فليس بعاقل ، ومن لم يكن عاقلا لم يكن عادلا ، ومن لم يكن عادلا مأواه جهنم ؛ فلهذا السبب كان رأس مال السعادات كلها العقل .
* * *
الأصل الرابع أن الوالي في الأغلب يكون متكبرا
ومن التكبّر يحدث عليه السخط الداعية إلى الانتقام ، والغضب غول العقل وعدوّه وآفته ، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الغضب في ربع المهلكات . وإذا كان الغضب غالبا فينبغي أن يميل في الأمور إلى جانب العفو ، ويتعوّد الكرم والتجاوز ، فإذا صار ذلك عادة لك ماثلت الأنبياء والأولياء ، ومتى جعلت إمضاء الغضب عادة ماثلت السباع والدواب .
حكاية :
يقال إن أبا جعفر المنصور أمر بقتل رجل والمبارك بن الفضل حاضر فقال : يا أمير المؤمنين اسمع خبرا قبل أن تقتله ! روى الحسن البصري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
« إذا كان يوم القيامة وجمع الخلائق في صعيد واحد ، نادى مناد : من كان له عند اللّه يد فليقم ، فلا يقوم إلّا من عفا عن الناس » « 1 » فقال : أطلقوه فإني قد عفوت عنه .
وأكثر ما يكون غضب الولاة على من ذكرهم وطوّل لسانه عليهم فيسعون في سفك دمه .
هامش
( 1 ) في إحياء علوم الدين للمؤلف [ جزء 3 - صفحة 183 ] : وعن ابن عمر عن أبي بكر أنه قال :
بلغنا أن اللّه تعالى يأمر مناديا يوم القيامة فينادي : من كان له عند اللّه شيء فليقم . فيقوم أهل العفو فيكافئهم اللّه بما كان من عفوهم عن الناس .
وفي كنز العمال [ جزء 3 - صفح 132 ] رقم ( 8726 ) : رواه ابن منيع [ في مسنده ] .