ثم قال الشرقيّ : ولكن دعنا من هذا ، خرجت من الموصل وأنا أريد الرقة مستخفيا ، وأنا شاب خفيف الحاذ ، فصحبني من أهل الجزيرة فتى ما رأيت بعده مثله ، فذكر أنه تغلبي ، من ولد عمرو بن كلثوم ، ومعه مزود وركوة وعصا ، فرأيته لا يفارقها ، وطالت ملازمته لها ، فكدت من الغيظ أرمي بها في بعض الأودية ، فكنا نمشي فإذا أصبنا دواب ركبناها ، وإن لم نصب الدواب مشينا ، فقلت له في شأن عصاه ، فقال لي : إن موسى بن عمران صلّى اللّه عليه وسلّم حين آنس من جانب الطور نارا ، وأراد الاقتباس لأهله منها ، لم يأت النار في مقدار تلك المسافة القليلة إلا ومعه عصاه ، فلما صار بالوادي المقدس من البقعة المباركة قيل له : الق عصاك ، واخلع نعليك . فرمى بنعليه راغبا عنهما ، حين نزّه اللّه ذلك الموضع عن الجلد غير الذكي ، وجعل اللّه جماع امره من أعاجيبه وبرهاناته في عصاه ، ثم كلمه من جوف شجرة ولم يكلمه من جوف إنسان ولا جان .
قال الشرقي إنه ليكثر من ذلك وإني لأضحك متهاونا بما يقول ، فلما برزنا على حمارينا تخلّف المكاري فكان حماره يمشي ، فإذا تلكأ أكرهه بالعصا ، وكان حماري لا ينساق ، وعلم أنه ليس في يدي شيء يكرهه ، فسبقني الفتى إلى المنزل فاستراح وأراح ، ولم أقدر على البراح ، حتى وافاني المكاري ، فقلت : هذه واحدة .
فلما أردنا الخروج من الغد لم نقدر على شيء نركبه ، فكنا نمشي فإذا أعيا توكأ على العصا . وربما أحضر ووضع طرف العصا على وجه الأرض فاعتمد عليها ومرّ كأنه سهم زالج ، حتى انتهينا إلى المنزل وقد تفسخت من الكلال ، وإذا فيه فضل كثير ، فقلت هذه ثانية .
فلما كان في اليوم الثالث ، ونحن نمشي في أرض ذات أخاقيق « 1 » وصدوع ، إذ هجمنا على حية منكرة فساورتنا ، فلم تكن عندي حيلة إلا خذلانه
هامش
( 1 ) الأخاقيق : الشقوق .