تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩

[ الجاحظ بين الرواة وخادمه نفيس ]

وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب ، ونسيب الأعراب ، والأرجاز الأعرابية القصار ، وأشعار اليهود ، والأشعار المنصفة « 1 » ، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة . ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد ، والفقر والنتف من كل شيء . ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف ، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب ، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب . ثم رأيتهم منذ سنيات ، وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر ، أو فتيانيّ متغزّل . وقد جلست إلى أبي عبيدة ، والأصمعي ، ويحيى بن نجيم ، وأبي مالك عمرو ابن كركرة « 2 » مع من جالست من رواة البغداديين ، فما رأيت أحدا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده . وكان خلف يجمع ذلك كله . ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه أعراب . ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج . ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل . ورأيت عامتهم - فقد طالت مشاهدتي لهم - لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة ، والمعاني المنتخبة ، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة ، والديباجة الكريمة ، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد ، وعلى كل كلام له ماء ورونق ، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم ، وفتحت للسان باب البلاغة ، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ ، وأشارت إلى حسان المعاني . ورأيت البصر
هامش
( 1 ) الأشعار المنصفة هي التي أنصف فيها الشعراء أعداءهم وأنفسهم وصدقوا عنهم وعن أنفسهم . ( 2 ) أبو مالك عمرو بن كركرة من عظام الرواة الذين لقيهم الجاحظ وأخذ عنهم في البصرة . كان يعلم في البادية ، ويحفظ لغة العرب .
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 259 | الجاحظ / علي أبو ملحم