تصدير
بسم اللّه الرحمن الرّحيم هذا الكتاب موسوعة أدبية لعالم أندلسي كبير ، اشتهر في تاريخ الأدب الأندلسي كما اشتهر بين معاصريه : بالفقيه الحافظ المحدث ، ولكنه في الواقع لم يكن كذلك فحسب ، بل كان إلى جانب ذلك رجلا موسوعى الثقافة ، وافر الاطلاع ، وهب حياته الطويلة للعلم وأخلص له ، ولم يفرق في إخلاصه هذا بين نوع وآخر من العلوم ، فهو كما وعى حديث الرسول الكريم واستوعب أصول الفقه ومسائله ، وألف فيهما من المؤلفات ما تكاد تقطع عند قراءته بأنه لا يحسن غيرهما ، كذلك فعل بأنواع أخرى من العلوم ، كالأنساب والسير والتراجم والقراءات ، حتى الجغرافيا له فيها جميعا مؤلفات قيمة ، يعدّ ما طبع منها مراجع ممتازة في أيدي الباحثين حتى اليوم .
وأخيرا فإن الأدب من بين هذه المعارف يحتل عنده مكانة بارزة ، وينال من جهده واهتمامه قدرا كبيرا ، كيف لا وهو في رأيه يلي في المرتبة كتاب اللّه وسنة رسوله ، ومعرفة آدابهما . لهذا نراه يقدم لنا كتابه هذا الذي أفرغ فيه خلاصة قراءاته وملاحظاته في ميدان الأدب ، أو كما يقول هو : « وجمعت فيه ما انتهى إليه حفظي ورعايتى ، وضمته روايتي وعنايتى » .
والحق أن ما انتهى إليه حفظ المصنف ليس شيئا قليلا ، فقد عاش أبو عمر عمرا مديدا قضاه كله في صحبة العلم ، والعيش في رحابه ، قارئا وسامعا ، معلما ومؤلفا ، ولهذا ليس غريبا أن يودع في كتابه نتيجة لهذا كل مختار منتقى من مأثور الأدب نظما ونثرا ، مما كان سائد الطراز للمذاكرة في مجالس العلماء في عصره . من إنتاج المشرقيين والأندلسيين على السواء ، فحفظ لنا بما جمعه بين دفتي كتابه تراثا قيما ، ضاعت الآن معظم مصادره الأصلية ، وكاد أن