غلام ادفع إلى هذا الماصّ « 1 » بظر أمّه عشرة آلاف أخرى ، ثم أعادها حتى بلغت تسعين ألفا أخرى ، فوضعت بين يديه ؛ ثم أقبل عليه فقال : أمّا قولك إنّي أضع الطعام ولا أنزل الناس منازلهم فلقد فكّرت « 2 » فرأيت في الناس من له همّة وفيهم غير ذلك ، فوكلتهم إلى أنفسهم ، لأنّ من « 3 » انحطّ عن أعلى غاية كان النّقص أولى به ، فهم بأنفسهم أخبر منّي بهم ؛ وأمّا قولك إنّ جواريّ يخترقن الصفوف فلا تأخذني لذلك غيرة ، فلو أنّ واحدة رأت في عينها من هو أحسن منّي فاختارته وهبتها له ؛ وأمّا العطيّة مع الشّتم فكيف رأيتها ؟ فأنشأ الشاعر يقول : [ المنسرح ] « 4 »
إنّ الجنيد الكريم أوّله * يزين « 5 » منه قديمه كرمه
يعطي على شتمة وإن صغرت * تسعين ألفا طوبى لمن شتمه
وحسن وجه الجنيد قد عرفوا * يمنع من كلّ ريبة خدمه
وما يبالي إذا بلا هممه « 6 » * طبّاخه بالطعام من طعمه
258 - كان سليمان بن عبد الملك
إذا حضر طعامه فتحت الأبواب
شرح
528 ربيع الأبرار 2 : 166 - 167 .
هامش
( 1 ) ل : للماص .
( 2 ) ل : أنزلت .
( 3 ) ل : فمن .
( 4 ) هنا تعليق بخط غير خط الأصل في ل وهو : واللّه يا جنيد لقد أخطأت في الثلاث ؛ أما الاوله فقد رأينا في زماننا وشاهدنا بالعيان وقبل زماننا سمعناه أن في أطراف الناس وسفلها من فيه وقاحة الوجه وبلاطة الحدقة ممن يأتي ويجلس فوق الأشراف والسادة حتى ينكر عليه في بعض الأوقات ويخرّق به ويحط عن مكانه ، وأما أن الجواري وهبتهم لمن يستحسنهم فإنها « التعريض » المحض والقيادة الظاهرة ، وأما الشتم والعطاء فكلمة طيبة خير من صدقة يتبعها أذى .
( 5 ) ل : ومن .
( 6 ) ل : تيممه .