قصاراي فيه أن أجبه بالتّعنيف ، وأواجه باللائمة ، وإن جلفت « 1 » بالقذع وذكرت بالشّنآن ، ومن لي بحاكم منصف ، وصديق ملطف ، وعدوّ مبق ، وصاحب مشفق ، بل من لي بمداهن لا يكاشفني ، ومنافق لا يوافقني ، وجار لا يرتصد عثرتي ، ورفيق لا يجهل عليّ ، بل من لي بشامت يرحم ، وظالم يتندّم ، وهل مكلّمك وسامعك إلّا من إن بعد رجم ، وإن دنا نحض « 2 » ، وإن تمكّن استأصل ، وإن عاقب أسرف ، وإن ملك أباد ، وإن قدر انتقم ، وإن انتقم أتى على الدّقّ والجلّ ، وذهب بالحرث والنسل ، ولكن أضرّ بي ما أرى من فساد الزمان ، واضطراب الوقت ، وانتكاث مرائر الدّين ، وتصوّح رياض الدّنيا ، ودروس أعلام التوحيد ، وانقراض أهل العلم ، وتحاسد أبناء الفضل ، وتنابذ ذوي الآداب ، وتداعي رباع الجميل ، وتأوّد أغصان الخير ، وتهادر شقاشق الشّيطان ، وتخاذل أهل التحرّج .
فو اللّه ما شين وجه التّقى ، ولا استحال بال المؤمن ، ولا أخرس لسان الورع ، ولا قصّر زند المجاهد ، ولا قسا قلب الراحم ، ولا جفّت أقلام كفّ الباذل ، ولا عرق جبين السائل ، ولا خابت حقيقة المستبصر حتى خلت عراص الشريعة من قوّامها ، وآذنت الدّنيا أهلها بالسّيف ، وخاض أهل العلم في الباطل ، واستعين في الحكمة بالسّفه ، وتوصّل بالطاعة إلى المعصية ، وسلك بالأمانة طريق الخيانة ، واغترّ بالدّنيا المشبّهة بالماء الملح ، والبرق اللّامع ، والسّحاب الخائل « 3 » ، والظلّ الزّائل ، وأحلام النائم ، والعسل المدوف بالسّم .
هامش
( 1 ) جلفت : قشرت كما يقال : لحيت أي نزع لحائي ، وهو أقسى التعنيف .
( 2 ) نحض : أخذ اللحم عن العظم ؛ وإذا قرئت « نهض » فمعناه : لام وعتب ، وهو أضعف مما يتطلبه المعنى .
( 3 ) السحاب خال ومخيل ، ولا بأس أن يقال « خائل » أي الموهم بأنه ممطر .