ذلك ، فتقدّم إلى أبي الأسود الدؤليّ « 1 » حتى وضع للناس أصلا ومثالا وبابا وقياسا ، بعد أن فتق له حاشيته ، ومهّد له مهاده ، وضرب له قواعده ؛ وإنّما فشا اللحن للسّبايا التي كثرت في الإسلام من الأعاجم وأولادهنّ ، فإنهم نزعوا في اللّكنة إلى الأخوال . وأمّا قوله « 2 » : قد نقض على النحويين ابن الراوندي « 3 » نحوهم ، فإنّه ذاهب بهذا القول عن وجه الرّشد ، لأنّ ابن الراوندي لا يلحن ولا يخطئ ، لأنه متكلّم بارع وجهبذ ناقد وبحّاث جدل ونظّار صبور ، ولكنّه استطال باقتداره على علل النّحويين ، ورآها مفروضة بالتّقريب ، وموضوعة على التمثيل ، لأنها تابعة للغة جيل من الأجيال ، ومقترنة بلسان أمة من الأمم ، فلم يكن للعقل فيها مجال ، إلّا بمقدار الطاقة في إيضاح الأمثال وتصحيح الأقوال « 4 » .
طال هذا الفصل أيضا ، وإذا كنت منقادا للحديث كلفا بفنونه ، فأنا رهن في يديه في كل ما عثرت عليه ، وأنت أولى من أخذ فائدته شاكرا ، وترك ما عداها عاذرا .
560 - يقال في مثل هذا الفنّ الذي كنّا فيه :
وقف رجل حسن الشّارة حلو الإشارة على المبرّد ، فسأله عن مسألة وأطال « 5 » ولحن وتسكّع في الخطأ ،
شرح
[ 560 ] قارن قول المبرد هنا بما نسب لبعض الفلاسفة في الكلم الروحانية : 133 ولفيثاغورس في مختار الحكم : 68 .
هامش
( 1 ) أبو الأسود الدؤلي - أو الدئلي - اسمه ظالم بن عمرو بن ظالم ، وفي اسمه خلاف ، ولي البصرة لمعاوية ، ويقال إنه أول من نقط المصاحف ووضع علم النحو للناس ، وتوفي سنة 69 ؛ انظر ترجمته في طبقات ابن سعد 7 / 1 : 70 والوافي بالوفيات 16 : 533 ( رقم : 576 ) ؛ وفي حاشية الوافي ذكر لعدد كبير من المصادر .
( 2 ) الضمير عائد إلى أبي حنيفة الصوفي .
( 3 ) ك ر : الروندي ؛ ويكتب أيضا الريوندي ، وهو الزنديق المشهور أحمد بن يحيى بن إسحاق ، له مؤلفات كثيرة ، منها كفريات ألّف أكثرها لأبي عيسى اليهودي الأهوازي ، وتوفي سنة 298 وقيل غير ذلك ( انظر الفهرست : 216 - 217 والمنتظم 6 : 99 ) .
( 4 ) وتصحيح الأقوال : زيادة من ك ر .
( 5 ) ر : وأحال .