لأنه ليس من جوارح العبد أشد ذنبا من اللسان ، لأن كلمة يتكلم بها العبد أو الأمة تكون سببا لدخول النار .
[ 97 ] ترك الغيبة والنميمة
وقد كان بعض الخائفين إذا أصبح أخذ لوحا ودواة ، وجعلهما بجواره فإذا تكلّم كلمة كتبها في اللوح ويقول لنفسه : هكذا أثبتها عليك الملك بأمر الملك ، فإذا غربت الشمس وصلّى صلاة المغرب وضع اللّوح بين يديه وجعل يقرأ ويبكي ويقول في بكائه ونحيبه وتقريره لنفسه : يا نفس كأني بك وقد سئلت عن هذا عند جواز الصراط ، يا نفس تراك بأي كلمة من هذه تدخليني النار ؟ فلا يزال يبكي حتى لا يجد بكاء وتفرغ دموعه فيغشى عليه ، فإذا أفاق مما هو فيه أخرج اللوح وكتب ما فيه بقرطاس وهو يقول متضرعا : يا اللّه عفوا ورفقا ولطفا بعبدك . فلم يزل هذا دأبه حتى مات ، فرآه بعض الصالحين في المنام في حالة حسنة فسأله عما لقي من اللّه تعالى فقال : ما يلقى من الكريم إلا الكرم ، جعل محاسبتي لنفسي في الدنيا بدلا عن الحساب في الآخرة ، وجعل دموعي التي بكيت في الدنيا أنهارا ترويني يوم العطش الأكبر ، وتفضّل الكريم عليّ بدخول الجنة وبجواز الصراط ، ومنّ علي بالفضيلة العظيمة والزيارة الكبرى إلى وجهه الكريم .
[ « 98 » ] كلمة الشر وعذابها
وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة فينزل بها في النار بعد ما بين المشرق والمغرب ، فإذا أراد اللّه تبارك وتعالى بعبده خيرا أعانه على حفظ لسانه وشغله بعيوب نفسه عن عيوب غيره » .
قيل مر رجل على رجل فسلم عليه ، فقال له الرجل الذي سلم عليه : يا أخي لو كشفت لك عن حالي ما سلّمت عليّ ! فقال له الرجل الذي سلم عليه : يا أخي لو كشفت لي عيوبك لكان في عيوبي ما يشغلني عن جميع عيوبك . فجلس كل منهما يبكي في ناحية حتى بلّ كل واحد منهما الأرض بدموعه ثم تفرقا .
هامش
( 98 ) حديث « إن الرجل ليتكلم بالكلمة . . . . » .
أخرجه ابن حبان في صحيحه : باب ما يكره من الكلام وما لا يكره ( 5677 ) من حديث أبي هريرة .