أحدهما : ما يظهر فيه من الفساد المخل بنظامه المحفوظ برعاية الدين ، كالكذب والغش والخلابة والسرقة والمقامرة والفجور في الايمان والمجاهرة بالفسوق واطراح الحشمة حتى بين الأقارب وذوي المحارم « 78 » .
الثاني : ما تعود به شهوة الزنا واللواط من فساد النوع الذي به عمرانه ، إذ ذاك من جملة ما يسترسل فيه ، مطيع هواه في اتباع الشهوات ، أما بالزنا فبوساطة اختلاط الانساب بمائه الفاسد ، وأما باللواط فبغير واسطة .
قال : وهو أشد في فساد النوع إذ هو يؤدي إلى أن لا يوجد ، والزنا إلى عدم ما يوجد منه .
قال : ولذلك كان مذهب مالك رحمه الله في اللواط أظهر من مذهب غيره ، ودل على أنه أبصر بمقاصد الشريعة ، فافهم ذلك ، واعتبر به . ان غاية العمران هي الحضارة والترف وأنه إذا بلغ غايته ، انقلب إلى الفساد بمقاصد الشريعة ، وأخذ في الهرم كالاعمار الطبيعية للحيوان « 79 » .
وأما من جهة فساد الدنيا ، فمن وجهين : أحدهما : أن المترفين إذا كثروا في المصر ، وفسدت أحوالهم واحدا واحدا ، تأذن الله في خراب « 80 » نظامه .
قال : وهذا معنى قول بعض أهل الحواضر أن المدينة إذا كثر فيها غرس النارنج ، تأذنت بالخراب ، حتى أن كثيرا من العامة يتحامى غرسها بالدور .
وليس المراد ذلك ، ولا أنه خاصة فيها ، وانما معناه أن البساتين واجراء المياه هو من توابع الحضارة ، إذ لا يقصد بها الا أشكالها فقط ، ولا تغرس الا بعد التفنن في مذاهب الترف ، وهو الطور الذي يخشى عليه هلاك المصر وخرابه .
قال : ولقد قيل مثل ذلك في الدفلى ، وهو من هذا الباب ، إذ لا يقصد
هامش
( 78 ) استند على مقدمة : ج 3 ، ص 1011 - 1012 .
( 79 ) مقدمة : ج 3 ، ص 1013 - 1014 .
( 80 ) م : بخراب .